• Explore Vox
  • Culture
  • Entertainment
  • Life
  • Music
  • News & Politics
  • Technology
  • Join Vox
  • Take a Tour
  • Already a Member? Sign in
وسام فؤاد

وسام فؤاد

  • وسام فؤاد’s Blog
  • Profile
  • Neighbors
  • Photos
  • More 
    • Audio
    • Videos
    • Books
    • Links
    • Collections

التشدد في غزة.. بين الوكالة للقاعدة والعمالة لدحلان

  • Aug 18, 2009
  • Post a comment

وسام فؤاد
لم تكن الأصوات التي تعلو منذ عام 2007 مشيرة لانتشار المد الشيعي في فلسطين بعامة؛ وفي قطاع غزة بصفة خاصة سوى مؤشر على توازنات جديدة تراد بهذا القطاع؛ ولم تكن القباب الزرقاء، إلا إشارة لوجود أبواب مفتوحة لتلاعب أطراف إقليمية متعددة بالقطاع. ولكن هل يلحق بهذا التصور ما أعلنه مراقبون من تبلور علني محدود لبعض التجليات السلفية الجهادية بعد عام 2006؛ وهي الحالة الجهادية التي تفاعل معها شريحة من الشباب المتشددين في الدوائر المحيطة بحركات حماس والجهاد والجناح المتدين المهمش من حركة فتح؛ تلك الشريحة الشبابية التي انفعلت بمنهج مقاومة العدو الصهيوني الذي كانت تنتهجه حركتا حماس والجهاد في مقابل مد الاستسلام الذي استقوى في حركة فتح بعد مقتل الزعيم الفلسطيني ياسر عرفات. هذه التعددية في أطياف التدين المقترن بالمشهد السياسي في المنطقة مالت كفتها لصالح الحالة السلفية الجهادية التي تعددت تنظيماتها التي يرى الخبراء أنها تحاول الحصول على علاقة تمثيل لتنظيم القاعدة؛ وأبرزها تجمعات وجماعات مثل جيش الإسلام، وجيش الأمة، وسيوف الحق، وجند الله أو جند أنصار الله، ومجموعة جلجلت التي لم تستقر بعد على اسم إعلامي لها. هذه التعددية وهذا الترجيح يفتحان الباب أمام تساؤلات عدة حول الأحداث التي شهدها القطاع مؤخرا.

مواجهات رفح.. حسم شراكة حماس الإقليمية
برغم تتالي العمليات العسكرية المتباينة نوعيا والحرب الدعائية والسياسية التي باشرتها إدارات الاحتلال ومؤسسات سلطة فتح؛ والتي أدت إلى منع حركة حماس من تقديم تنازلات عن مفهوم المقاومة، برغم هذا كله وجد الخطاب السلفي الجهادي أرضا خصبة لينمو ويتجاوز التعددية التنظيمية الإسلامية الكائنة في فلسطين؛ ربما بسبب حالة اليأس من كف يد قوات الاحتلال عن غزة، وربما بسبب التطرفين المعاكسين الذين يتجه أولهما إلى الذوبان في مشروع الأسرلة، بينما يتجه ثانيهما لإتاحة الفرصة للمد الشيعي الإقليمي القوي ليجد موطئ قدم له في فلسطين.
وما كان الأمر ليثير أزمة حقيقية؛ حتى ولو تجاوز حالة التدين العبادية إلى حالة تديين للسياسة أو تمثيل الملتزمين سياسيا وهو منهج عدد من القوى الإسلامية ذات الحضور السياسي في كل الأراضي المحتلة؛ بما فيها الأرض المحتلة في 1948 نفسها. لكن الأمر تجاوز النمط السياسي باتجاه حالة من السيولة الأمنية في القطاع لم يكن أولها التفجير الذي استهدف حفل زفاف بعائلة محمد دحلان مؤخرا، حيث يمكننا التذكير بحادث اختطاف الصحافي البريطاني ألان جونسون، ومحاولة اغتيال الرئيس الأمريكي الأسبق جيمي كارتر أثناء زيارته للقطاع غزة، بالإضافة لبعض العمليات الصغيرة هنا وهناك ضد أهداف أجنبية وصهيونية.
وما أدى لتفجير أزمة رفح ليس إعلان الإمارة الإسلامية بقدر ما كان تحدي إثبات حماس لجدارتها باعتبارها شريكا إقليميا في رسم ملامح مستقبل فلسطين؛ وبخاصة في مواجهة الطرف الإقليمي الأكبر: مصر؛ الذي من الطبيعي أن ينظر بعين القلق والترقب لتلك الحالة من عدم الاستقرار التي تقبع على حدها الشمالي الشرقي. ونتيجة لحالة التنسيق الأمني التي في إطارها تسربت معلومات إلى صحيفة هآرتس مفادها أن عشرات من عناصر القاعدة الذين كانوا في العراق قد دخلوا قطاع غزة، لم تملك حركة إلا أن تؤكد أن الأمر لم يتعد حالات فردية لا ترقى إلى مستوى تحرك تنظيمي.
ومع ضغوط مصر، واتهامات إدارة الاحتلال، حاولت حركة حماس إجراء حوار مع الجماعة؛ لإبعادها عن أسلوبها المتشدد والعنيف الذى يتجه نحو تكفير الحكومة. وتحدثت المصادر أيضا عن وساطات علماء دين وقياديين في لجان المقاومة الشعبية باءت بالفشل، ليتبعها إعلان زعيم الجماعة عبد اللطيف موسى في خطبة الجمعة ليوم 14 أغسطس قيام الإمارة الإسلامية في أكناف بيت المقدس؛ بدءا من رفح، وطالب الحكومة المقالة في غزة بالخضوع لأحكام الشريعة الإسلامية، ثم لم تلبث تفاقمات الأوضاع أن انتقلت من اتهامه باللوثة العقلية إلى مواجهات مسلحة مع قوات وزارة الداخلية التابعة لحكومة حماس المقالة في رفح، وهي المواجهات التي انتهت بمقتل أبو النور المقدسي مع أحد أكبر أعوانه أو كما ذكرت وكالات الأنباء قائد ذراعه العسكرية أبو عبد الله السوري (المهاجر) الذي وصفته مصادر بعض الصحف بأنه سعودي الجنسية وأسمه الحقيقي خالد حسن بنات.
وتحاول بعض الاتجاهات أن تبين دافع حماس وكأنه الخوف من أن يخرج زمام الأمر من يدها؛ ويحتمل أن يكون هذا صحيحا. فقد أعلن عدد من الجماعات السلفية الجهادية في فلسطين في بيان لها – تعقيبا على المواجهات التي أفضت لمقتل أبو النور المقدسي – أعلنت أن "إعلان الإمارة جاء بعد اتفاق قيادات جماعة جند أنصار الله ثم طرحها لاحقا على الجماعات الأخرى للبيعة تحت اتفاق واضح يحرم التعدي على حرمات المواطنين"، وذلك في إطار نفيها ما بررت به حماس حملتها العسكرية على أصار جند الله حيث اتهمتهم بتكفير أهل فلسطين.
وأيا ما كان من أمر هذه المواجهة؛ فقد حسمت بها حماس تطلعات انقلابية باتجاه ربما كان مقبولا شرعا لكنه قد يفاقم النار المستعرة في قطاع غزة. ويبقى أن تهديدات جماعة "سيوف الحق" لحركة حماس ربما لا تفضي لشئ بعد أن دخلت المرجعيات الدينية قاطبة على خط المواجهة لإخماد نار فتنة لن يقع ضحيتها سوى الفلسطينيين.
واللافت أن ثمة بوادر تشير إلى أن القاهرة تحاول رفع الحرج عن حركة حماس جزئيا؛ وذلك إثر إعلانها اتهام محمد فهيم الذي تصفه بزعامة تنظيم أصولي يدعى التكفير والجهاد؛ مرتبط بتنظيم القاعدة، أعلنت القاهرة اتهامها هذا التنظيم بدعم جماعة جند أنصار الله. وإن كانت بوادر الاتهام لا تنفي تحميل القاهرة حماس مسؤولية أمن حدودها؛ أو العقاب. وربما كانت محاولات رفع الحرج تعكس رؤية القاهرة تزايد الوهن في حركة فتح بعد مؤتمرها السادس. أو ربما تحتفظ عند حماس بـ"معروف" تطالبها برده في المستقبل.

جهاديو غزة.. هل يبحثون عن وكالة؟
هناك تيار تفسيري يحاول أن يربط الحالة السلفية الجهادية في فلسطين بتنظيم القاعدة، موضحا أن تنظيم القاعدة نفسه لا يمانع هذه الظاهرة؛ بل يرحب بها استنادا لتلقيه اللوم لابتعاده عن قضية فلسطين. لكن الحقيقة أن هذا التيار لا يقدم تفسيرا موضوعيا، وإن حاول الأستاذ ياسر الزعاترة تعميم الحكم على هذا التوجه من خلال تحليله لردود أفعال المجموعة التي يطلق الشارع الفلسطيني اسم "جلجلت"؛ وهي التسمية التي ارتبطت بهم إثر بث هذه المجموعة لشريط فيه أنشودة تبدأ بكلمة "جلجلت". وهو يرى أن توجه هذه المجموعة المذكورة بدا أكثر وضوحا من خلال مقابلة أجريت مع أحد قادتها: محمود محمد طالب (أبو المعتصم) والتي أعلن فيها أن مجموعته تنتظر تنفيذ عملية كبيرة تبايع من خلالها الشيخ أسامة بن لادن. واضطر الزعاترة إلى تحقيب كلام أبو النور المقدسي زعيم تنظيم أنصار جند الله فقسمه إلى جديد وقديم. والصورة تختلف عما طرحه كثيرا.
ولا يفوتنا أن نلفت النظر لاتجاه دعائي يرتبط بحركة حماس أيضا يحاول أن يقدم تصورا لبعض التوجهات السلفية الجديدة على أنها عميلة لإدارة الاحتلال أو عميلة للعقيد محمد دحلان. فقد نقلت مصادر لموقع الجزيرة نت أخبار مفادها أن جهاز الأمن الداخلي في الحكومة المقالة قد توصل إلى مراسلات خاصة بالجماعة تدعو إلى محاربة الحكومة المقالة والإخلال بالأمن والتأثير على أفراد كتائب القسام وحماس لينضموا إليها. وأشار مصدر الجزيرة نت أن عناصر أمن داخلي للحكومة حماس المقالة حصلوا على وثائق قبل شهرين من مهاجمة معقل "جند أنصار الله في رفح" تؤكد سعي الجماعة لمهاجمة المقار الأمنية في قطاع غزة واستهداف قياديين من حركة حماس، وتثبت حصولها على أموال من دولة عربية ومن مقربين من محمد دحلان النائب عن حركة فتح. وأن حركة حماس آثرت خوض حوار مع جماعة "أنصار جند الله" عقب ظهور هذه الوثائق، وساقت وساطات في إطار هذا الحوار لحملها على التراجع عن موقفها؛ لكن الحوار باء بالفشل. ووعد هذا المصدر بعقد حركة حماس لمؤتمر صحافي لنشر هذه الوثائق عقب حدوث مواجهات رفح. وحتى تاريخ كتابة هذه السطور 20-08-2009؛ لم ينعقد المؤتمر.
وبرغم أن هذه الرؤية الدعائية المرتبطة بالتمويل غير مستبعدة؛ إذ أسامة بن لادن نفسه تلقى دعما لوجستيا أمريكيا إثناء مشاركته في مقاومة الاحتلال السوفييتي في أفغانستان، إلا أن هذا المنطق يتجاهل أن هناك واقع ضاغط على الحالة الفلسطينية الداخلية دافعا إياها نحو التفجر. وليس من السليم كذلك أن نحول تنظيم القاعدة – نظريا – إلى صفقة فرينشايز؛ يسعى المتشددون للوكالة عنها؛ متجاهلين أن الواقع الفلسطيني خانق، وأن إدارات الاحتلال تراهن – فيما تراهن – على أن تخلق بيئة تطرف داخله لتبرر من خلالها عملياتها العسكرية التي طالتها سمعة إجرام الحرب، في الوقت الذي تسعى فيه بعض أجنحة فتح لتجريد حماس من شرعيتها على خلفية توريطها بسياق إسلامي مكروه محليا، بقدر ما تسعى لتجريد حركة حماس من نسق تحالف وطني جمعها جنبا إلى جنب مع فصائل يسارية تمثل جزء من ذاكرة الوطن وسياقاته النضالية.

Post a comment Tags: فلسطين, حماس, وسام فؤاد, جرائم حرب, فتح, الاحتلال الصهيوني

علامات تداول المواقع.. تشارك المعرفة في المجتمع المدني

  • Jun 7, 2008
  • Post a comment


وسام فؤاد

علامات تداول المواقع أو الـ Social Bookmarking هي ظاهرة إنترنتية تنتمي لأحد تيارات تطبيقات الإنترنت Web Applications التي تنتمي للمرحلتين الثانية والثالثة من الإنترنت، وهي المرحلة التي يتواضع الخبراء على تسميتهما Web 2.0 وWeb 3.0. ويكاد المراقبون يتفقون على تسمية الغالبية الساحقة من البرمجيات المكونة لبيئة Web 2.0 بمصطلح صار متداولا في الأوساط الأكاديمية تحت اسم: البرمجيات الاجتماعية (1) أو Social Software التي صار لها أهمية كبيرة استنادا لتغير فلسفة الإنترنت الجديدة على نحو تبدلت فيه الأوضاع ليصبح المستخدم هو مركز ظاهرة الإنترنت بعد أن كان أصحاب المواقع يتبوأون هذا المركز لفترة امتدت من 1992 وحتى 2003.

مقدمة: البرمجيات الاجتماعية وموقع علامات التداول منها:
=====================================

خلال العام الماضي سمعنا مصطلح الإنترنت الاجتماعية أو Social Web الذي قام على أكتاف حزمة من البرمجيات الاجتماعية التي استندت للجيل الثالث من لغات بناء تطبيقات الويب. وتتضمن هذه الحزمة ظواهر برمجية متعددة لها وجودها المتمايز أونلاين؛ لعل أبرزها من وجهة نظرنا: مواقع المدونات Blogs وأبرزها موقع Blogger، والمقتطفات Clipping وأبرزها موقع Clip Marks، وبرامج الرسائل الفورية Instant Messaging، والمنتديات Forums، وغرف الدردشة Chatting Rooms، والتعليم الإليكتروني E-Learning، والألعاب Online Games، ومواقع تداول ملفات الوسائط Media Sharing وأبرزها موقع You Tube وموقع Flickr، ومواقع الأدلة الاجتماعية Media Cataloging وأبرزها مواقع Yellow Pages المختلفة، ومواقع الاحتياجات الشخصية Personals، ومواقع تشارك التعليق على المحتوى الإنترنتي Social Citations وأبرزها مواقع مثل موقع CiteULike وموقع Connotea وموقع BibSonomy، ومواقع برمجيات الشبكات الاجتماعية Social Networks مثل موقع Face Book وموقع Hi5، والعوالم الافتراضية Virtual Worlds مثل موقع Second Life، ومنظومات الويكي Wikis وأبرزها موقعا Softpedia وWikipedia (2).

وتتفاوت المراجع المختلفة المؤرخة لتاريخ الويب في وضع الفئات العامة التي تصنف تحتها هذه التنويعة العريضة من مواقع الجيل الثاني من الإنترنت أو مواقع Social Software. فبعضها يصنفها لأربع فئات تتضمن الفهارس أو الأدلة الاجتماعية Social Guides، والمكتبات التداولية Social Libraries، وشبكة الخدمات الاجتماعية Social Network Services، والعوالم الافتراضية Virtual Worlds. ويضيف بعض الخبراء مواقع Social Media كالمدونات والمنتديات والمواقع المجانية والمجموعات البريدية. بينما البعض الآخر يضيف البرمجيات التواصلية Communicational مثل غرف الدردشة وبرمجيات التواصل النصي مثل Windows Live Messenger (3).

وتعد ظاهرة علامات تداول المواقع أو الـ Social Bookmarking من أبرز الظواهر المرتبطة بدور مستخدم الإنترنت في إنتاج المحتوى الإليكتروني وأرشفته وفرزه وتداوله، وهي العلامات التي تميز مرحلتي ويب 2.0 وويب 3.0 ضمن خط تطور الإنترنت كوسيط إعلامي (4). أو حتى في إطار اعتبار ويب 2.0 مجرد منصة أو وسط للاتصال والتواصل وفق تعبير الخبير الإعلامي توفيق غانم (5)، حيث يعد التشبيك أحد أهم مظاهر ظاهرة الاتصال والتواصل. وفي هذا الإطار تعد ظاهرة علامات التداول ضمن مساحة التقاطع ما بين ظاهرة إعلام المواطن Citizen Journalism وظاهرة التشبيك Networking كما يبين الشكل المرفق، وهو ما يجعل لها هذه الأهمية الخاصة.

كما أن تلك الأهمية تتجلى أيضا من خلال بعض المؤشرات المرتبطة بالمصطلح والتي يمكن الإشارة لأبرزها المتمثل في كونها قيمة قاموسية (6) من ناحية. كما أن المصطلح يعبر عن قيمة إعلامية ومعلوماتية من ناحية ثانية، حيث نجد أنه خلال 0.41 من الثانية تمكن محرك بحث جوجل من إيجاد 42,300,000 نتيجة بحثية لهذه الكلمة المفتاحية المزدوجة "Social Bookmarking" (7). ويلحق بما سبق أن لهذا المصطلح قيمة اجتماعية تتمثل في احتلال موقع مثل Digg الرتبة رقم 115 وفق معايير Alexa لترتيب المواقع، ويحتل موقع LinkedIn الرتبة رقم 196 لنفس المعيار، وموقع Technorati يحتل الرتبة 271، وموقع StumbleUpon في الرتبة 340، أما الموقع الشهير del.icio.us فيحتل الرتبة 1156. وفي إطار نفس الإشارة للأهمية الاجتماعية نجد أن هناك ما يربو على 250 موقعا يسدون هذه الخدمة لمستخدمي الإنترنت (8). وباعتبار المصطلح دال في قيمة مالية نجد أنه بجوار المواقع المجانية ثمة مواقع تقدم خدمات توسيع نطاق انتشار علامات التداول مقابل مبالغ مالية؛ ومنها موقع Social Marking 2.0 الذي يقدم خدمة نشر الموقع من عبر 240 موقع علامات تداول مقابل 25 دولارا وإلى 1000 دليل مواقع مقابل 10 دولارات، هذا إلى جانب تقديمه الخدمة المجانية المنتشرة بين مثيلاته من المواقع (9). تلك الأهمية ما دفعتنا لتناول هذه الظاهرة في دراسة تحاول استكشاف جنباتها.

أولا: التعريف بالظاهرة وتطورها
======================

أ - مسمى الظاهرة.. إسهام لغوي أولي:

إذا كانت البيئة مصدر هذه الظاهرة قد أسمتها Social Bookmarking فقد تباينت الأسماء التي تعاطت معها في البيئة العربية باعتبارها البيئة المستوردة. فبخلاف تفضيل بعض التيارات الفردية استخدام النطق الإنجليزي "سوشيال بوكماركينج"، إلا أن محاولات الترجمة الحرفية أو شبه الحرفية لهذا المصطلح كان من بينها: "الإشارات المرجعية الاجتماعية" و"المفضلات الاجتماعية".

كما أسمتها بعض المحاولات الفردية في ترجمة غير حرفية لها باسم: مشاركة الروابط. ومن بين هذه الترجمات نجد أن الترجمة الأكثر شيوعا هي "المفضلات الاجتماعية" (10).

وأثناء عملية مسح الإنترنت حول المسميات العربية لهذه الظاهرة وجدنا أن محركات البحث ذات وظيفة الترجمة المتجددة المصادر لا تزال تتجاهل هذه الظاهرة، فمحرك بحث جوجل قد ترجم مصطلح Social Bookmarking لأحد مواقع التجارية بالاتحاد الأوروبي التي كانت تتداول نفس المصطلح تحت مسمى "بوكماركينغ الاجتماعية" (11)، وهو ما يعكس حداثة المصطلح في الذهنية العربية.

إن محرك بحث جوجل يعطينا مؤشر على جمعه 2410 نتيجة بحثية لمصطلح المفضلات الاجتماعية خلال 0.14 ثانية. كما أعطانا 957 نتيجة بحث في مدة قدرها 0.21 ثانية لمصطلح "الإشارات المرجعية الاجتماعية". وهي أرقام لا تكاد تذكر عندما نقارنها بتلك النتيجة التي حصل عليها المصطلح في أصله الإنجليزي والتي زادت على 42 مليون نتيجة بحث خلال 0.41 ثانية في كل الويب؛ ومنها 157 ألف نتيجة بحث في مواقع الويب العربية وحدها. إن هذه النتيجة القلقة تجعل المصطلح في ترجمته لا يزال قيد الصك؛ ووهو ما يتيح الاجتهاد في التسمية أو في ترجمتها (12).

وقد صككت مصطلح "علامات التداول" كبديل للمصطلحات الثلاثة المستخدمة كترجمة لمصطلح Social Bookmarking، وذلك لعدة أسباب:

1 – استخدام كلمة (اجتماعية) في مصطلحات الترجمة القائمة لا يعبر عن حقيقة التشارك والتداول، بل يقود إلى معنى آخر قد يؤدي إلى لبس لدى المتلقي الذي لا ثقافة له تمكنه من الربط بين الأصل اللاتيني وترجمته الحرفية.

2 – عبارة (إشارات مرجعية) لا تتسم بالدقة اللازمة، حيث إن للعبارة حضور اصطلاحي محدد الدلالة في علم مناهج البحث، ولا يحتمل اضطراب الدلالة. كما أن إضافة لفظة (الاجتماعية) للعبارة يؤدي بذهن المستمع أو القارئ إلى تلك المراجع (كتب ودراسات وبحوث) التي تتحدث عن الظاهرة الاجتماعية. كما أن عبارة (إشارات مرجعية) هي ترجمة لكلمة أخرى هي References باللغة الإنجليزية.

3 – كلمة "المفضلات" كلمة مبهمة جدا، وتزداد سيولتها الدلالية عندما نستخدم كل العبارة "المفضلات الاجتماعية" التي تنصرف إلى جملة من العادات الاجتماعية المتسمة بالقبول الاجتماعي.

4 – إن نتائج البحث حول عبارة (المفضلات الاجتماعية) والتي بلغت 2410 نتيجة، ونتائج البحث عن عبارة (الإشارات المرجعية الاجتماعية) 957 نتيجة لم يكن من بينها نتيجة واحدة لجهة بحثية أو علمية أو أية جهة ذات مصلحة اقتصادية، بل غلبت على المواقع المستخدمة لها أن تكون منتديات هواة أو مدونات، بما يعني أن مسمى الظاهرة ليس بنضج العلم بها وممارستها.

5 – يتسم مصطلح علامات تداول المواقع بلياقة دلالية عالية، كما يتسم بوثاقة صلته بمكونات ظاهرة Social Bookmarking مثل العلامات Tags والتشبيك Networking وما ينطوي عليه من جهود التشارك والتداول Sharing. كما أن المصطلح يمكن أن يختصر إلى كلمة واحدة (العلامات) أو كلمتين (علامات التداول)، ويمكن أن يتحول لفعل أو مصدر يرتبط بالعلامة ومعناها، وهي مزايا لا تتاح للمصطلحات التي أسلفنا الإشارة لوجودها.

أما وقد فرغنا من توضيح دال الظاهرة أو اسمها أو المصطلح المعبر عنها فقد آن أوان تعريفها بدرجة عالية من الدقة.

ب - تعريف الظاهرة:

إن التعريف الوظيفي لمصطلح علامات تداول المواقع Social Bookmarking يشير إلى تطور نوعي في ظاهرة Bookmarking نفسها سنعرض له تاليا ضمن تطور الظاهرة وتغير المصطلح وتطور دلالته.

والمصطلح نفسه علامات تداول المواقع أو الـ Social Bookmarking يشير إلى أداة إنترنتية طورها القائمون على إدارة وتطوير ظاهرة الإنترنت، هذه الأداة تمكن مستخدمي الإنترنت من تجويد وتنظيم عملية تخزين المواقع التي تهمهم، وتنظيم إدارتها والتحكم في شكلها، والاستفادة من تخزين هذه المواقع بوضع علامات لها تمكن المستخدمين من الوصول إليها من أي مكان في العالم؛ ومن دون حاجة مستخدم الإنترنت للجلوس إلى حاسوب بعينه، وتتيح هذه الأداة القدرة على تداول هذه المواقع وتشاركها بين مجموعة من مستخدمي الإنترنت تربطهم علاقة محددة Communities (13).

والأصل في عملية التخزين وعلاماتها أنها عملية علنية Public، ولكن في نفس الوقت يمكن تحويلها لتصير عملية تحمل درجات متفاوتة من الخصوصية تتراوح بين الخصوصية المطلقة والخصوصية النسبية. ودرجة الخصوصية المطلقة مصطلح يعني أن الاطلاع على المواقع المخزنة يكون للمستخدم الذي قام بتخزينها وحده دون غيره، بينما الخصوصية النسبية تعني أن هناك جماعة ما هي المخولة حق الاطلاع على هذه المواقع. وتتفاوت المواقع فيما بينها من حيث قدرتها على إتاحة خدمات عديدة للمستخدمين؛ من ضمنها تعدد مستوى الخصوصية المتاح للمستخدمين اختياره (أصدقاء – شبكة محددة – عائلة – نطاق محدد Domain.. إلخ) (14).

وقبل المضي قدما في أركان هذه الظاهرة، والمفاهيم الأساسية التي تقوم عليها، يجدر بنا الإشارة إلى أن هذه الظاهرة تتطور بصورة متسارعة، قد تجعل حديثنا اليوم قديما خلال فترة عام أو نحو ذلك.

ويتاح للمستخدمين الاطلاع على ما تم تخزينه من مواقع عبر تخويلهم سلطة تخزين هذه المواقع عبر استخدام علامات فهرسة Tags، وهذه العلامات هي التي يتم عرض المواقع المخزنة من خلالها، إما بصورة مباشرة، أو بصورة غير مباشرة عبد إدخال هذه العلامات ضمن دائرة تصنيف وفهرسة.

ج – مصطلحات على علاقة بالظاهرة:

والعلامات Tags هي مصطلح ظهر خلال الأعوام القليلة الماضية بحسب تعبير الباحثة سو شاستين، وهي علامات تستخدم لتبويب (صفحات) و(مواقع) الويب عبر تقنية علامات تداول المواقع المستخدمة في مواقع مثل del.icio.us وTechnorati وغيرها (15). وتشير موسوعة ويكيبيديا إلى أن مصطلح Tag (عندما يستخدم في إطار الحديث عن ما وراء البيانات Metadata) يكون المقصود به كلمة أو مصطلح يتم ربطه بقدر من المعلومات المنشورة أونلاين، أو يتم تعيينه للدلالة على هذا القدر من المعلومات (16). وتقوم هذه المواقع على قواعد بيانات تستقبل هذه العلامات لتحتفظ بها في الوقت الذي تقوم فيه بتزويد محركات البحث بهذه العلامات والمواقع التي تم تعليمها بها، وهو ما يسهم في رواج الصفحة أو الموقع بدرجة أكبر.

ويرتبط باستخدام هذه العلامات أن تتسم المرحلة الجديدة من فهرسة المواقع بعدة سمات؛ أهمها سهولة الفهرسة بالنسبة للمستخدمين الذي باتوا منتجين للمحتوى، وسهولة الوصول للمواقع المفضلة، وخصوصية عملية الفهرسة على صعيد الكلمات المفتاحية.

وخلال الفهرسة بالعلامات تطور مفهوم للجديد للفهرسة يعرف باسم Folksonomy. ويعتبر الخبير الأمريكي Jakob Voss أن مصطلح Folksonomy يعد مرادفا للمعاني التالية: الفهرسة الجماعية عن طريق العلامات Collaborate Tagging، أو التصنيف الاجتماعي Social Classification، أو الفهرسة بغرض التشارك Social Indexing، أو وضع علامات على المواقع بغرض التداول Social Tagging (17).

ومصطلح Folksonomy منحوت من كلمتين؛ هما: Folk أو الشعب وTaxonomy أي علم تصنيف الكائنات، وعليه فالمصطلح يعني علم التصنيف الذي وضعه مستخدمو الإنترنت. وهو بهذه الكيفية دال على عملية الاشتراك في بناء جوهر مشروع الفهرسة. واعتماد هذا النظام على العلامات Tags التي يتعامل معها مستخدم الإنترنت باعتبارها كلمة مفتاحية عادية يعد ثورة على المنظومة القديمة التي كان الخبراء والمتخصصين فيها يحتكرون مساحة الفهرسة وفق تقنية تضاءلت جدواها بمر الزمن (18).

ثانيا: الخلفية التقنية والفلسفية للظاهرة
========================

ظاهرة علامات تداول المواقع أو الـ Social Bookmarking لا يمكن بت صلتها بالسياق التاريخي الذي نشأت فيه، والذي لا يمكن بحال أن نصف الظاهرة وصفا دقيقا من دون توضيح دلالته في بناء الظاهرة. ولعلنا أشرنا من قبل في عجالة إلى مفهوم ويب 2.0 ودلالتها من حيث كونها وسيط إعلامي ومن حيث كونها وسط اجتماعي (19). وكلا البعدين كان له حضوره وتأثيره في علامات تداول المواقع.

أ – الإنترنت كوسيط إعلامي وتداعياته:

الإنترنت كوسيط يعني الإنترنت كأداة إعلامية يتم استخدامها لنشر المحتوى. والإنترنت من هذه الزاوية كانت مسرحا لتأثير قوي للتطورات التي عصفت بالبنية التحتية القديمة للإنترنت التي نعرفها باسم الشبكة العنكبوتية أو WWW. وكانت الثورة تمس قدرات خادمات المواقع، كما تمس منظومات وفلسفات قواعد البيانات، كما تمس لغات بناء تطبيقات الويب، كما مست وسائل نقل البث Delivery (20).

وكانت النتيجة الأساسية لهذه الثورة أن تغير مفهوم الإنترنت كوسيط إعلامي تغيرا جذريا. وبدلا من الاستمرار في شكل التدفق الإعلامي الكلاسيكي One to Many تغير أسلوب إنتاج المحتوى ليصبح عنوانه Many to Many، وكان هذا في عرف المتخصصين في علوم الإعلام عودة الروح لمفهوم المواطن الصحافي Citizen Journalism أو منظومة إعلام نمط الحياة LifeStyle Media التي أدت لإنتاج محتوى ضخم وثري ويتمتع بدرجة صدقية عالية على المستويين المحلي والعالمي.

وكان استيعاب هذه الثورة وإتاحتها من المشكلات التي كان من الممكن إثارتها لولا أن موقع Del.icio.us كان قد سبق تلك الموجة بقرابة العام (أواخر عام 2003) عندما تجاوز المنظومة الكلاسيكية للفهرسة؛ مانحا الفرصة لمستخدم الإنترنت نفسه أن يكون صاحب علامات الفهرسة، وصاحب عملية تنظيم المواقع التي يفضل التعرض لها، مستغلا في ذلك التطورات التي كانت ملامحها قد بدأت تظهر في مفاهيم قواعد البيانات الجديدة وتأثيراتها.

وبقدر ما كانت ثورة المحتوى الذي ينتجه المستخدمون مستندة لتقنية قيام المستخدمين انفسهم بفهرسة المحتوى، بقدر ما إن تعاظم حجم المحتوى الذي ينتجه المستخدمون قد أسهم في تعزيز حالة الفهرسة الذاتية، ذلك أنه قد صار من المستحيل على موفر خدمة قواعد البيانات في مساحات المنتديات والمدونات والمواقع المجانية وغيرها أن يقوم بفهرسة كل هذا المحتوى، وهو ما عزز فرص استمرار موجة الفهرسة الذاتية.

ب – الإنترنت كوسط اجتماعي وتداعياته:

كان التشبيك من أهم نتائج البنية الفوقية التي ترتبت على ثورة ويب 2.0. وبالرغم من أن مصطلح التشبيك قد نشأ بداية في ثنايا علوم الحاسب، وبخاصة قطاع الشبكات من هذه العلوم، إلا أن المفهوم لم يلبث أن انفعل بظاهرة العولمة التي تقوم على تعدد المراكز المهتمة بنفس القضايا عبر الحواجز الحضارية التي بدأت تتلاشى، مما استتبعها بناء روابط ما بين شبكات الحاسوب الامريكية والغربية، ثم جاءت ثورة الإنترنت الأولى لتعمق هذا الإحساس بالتشبيك، ثم تطور المفهوم اجتماعيا ليكتسب قوة دفعة الذاتية التي عبرت تلقائيا عن حضورها في الإنترنت الجديدة مع التقدم الكبير الذي حدث في مفهوم قواعد البيانات، وتحولها لمفهوم متعدد المداخل / متعدد المخارج، مما سمح لمطوري البرامج باستثمار هذه الخاصية لتكثيف وتيرة التواصل في مواقع الإنترنت، وبدأ واقع التشبيك يتجاوز المجموعات البريدية باتجاه نموذج Face Book، وبدأ الاتجاه نحو استخدام ظاهرة علامات تداول المواقع في تعزيز نواحي الرابط الموضوعي بين عناصر الشبكات الاجتماعية المختلفة. وذلك عبر تعظيم كل شبكة لحجم المواقع التي تهتم بموضوعاتها.

ثالثا: تطور الظاهرة واستقرارها:
=====================

أ – بدء الظاهرة.. إطلالة تاريخية:

يرجع تاريخ مفهوم تداول علامات المواقع إلى أبريل من عام 1996 مع تدشين موقع حمل اسم itList، وقد تضمن هذا الموقع خدمات تداول علامات المواقع بخدمتين تقوم إحداهما على جعل العلامات المنتقاة علنية ومتاحة للجميع من مشتركي الموقع بالإضافة لتأمين إمكانية أن تتاح للمستخدم إمكانية الاحتفاظ بقدر من الخصوصية حيال ما يشاء من علامات المواقع. وخلال السنوات التي تلت ذلك التاريخ، أصبحت خدمة الاحتفاظ بعلامات المواقع أونلاين خدمة تنافسية دخل حلبتها شركات مثل Backflip, Blink, Clip2, ClickMarks, HotLinks وغيرهم. واعتمدت هذه الخدمة على تنظيم علامات المواقع في مجلدات ينشئها المستخدم في الموقع يدويا أو آليا (بدرجات متفاوتة من الدقة). ثم انتجت شركة Blink أول أزرار يمكن للمستخدم أن يضيفها في متصفحه لكي تيسر عملية حفظ المواقع وتعليمها. وردت عليها شركة Backflip بابتكارها خدمة تمكين المستخدم من إرسال الموقع بالبريد لنفسه أو إلى من يريد، كما مكنت المستخدمين من استضافة أزرار لحفظ علامات المواقع داخل صفحاتهم الخاصة أو مواقعهم. لكن هذه المشروعات باءت بالفشل لعدم قدرة هذه الشركات على إبداع منظومات لتحقيق أرباح من وراء مثل هذه الخدمات (21).

وفي خواتيم عام 2003 تأسس موقع del.icio.us مدشنا العلامات غير الرسمية للفهرسة Tags، وصك مصطلح علامات تداول المواقع Social Bookmarking، غير ان نجم هذا الموقع بدأ في الأفول نسبيا في مواجهة مجموعة جديدة من المنافسين الذين عملوا بفلسفة جديدة، مثل مواقع Simpy وFurl وCiteulike و Connoteaالذين يصنفهما البعض باعتبارهما موقعي Social Citation لا Social Bookmarking، بالإضافة لمزايا موقع مثل Stumbleupon. وبدأت دفقات المواقع تترى بعد ذلك حتى تجاوزت اليوم 250 موقعا تتفاوت حظوظهم من الشهرة.

ب – أجيال الظاهرة وملامح خدماتها:

يمكن الإشارة إلى مرور الظاهرة الجديدة التي ظهرت منذ 2003 بمجموعة من الأجيال بحسب مقدار الخدمات التي تقدمها للزائر.

وقبل الشروع في رسم ملامح هذه الاجيال؛ لابد من الإشارة إلى أن القول بوجود جيل سابق لا يعني أن هذا الجيل اختفى، بل لا تزال ثمة مواقع تمثله، وربما هي بطريقها للتلاشي خلا ستة أشهر أو عام أو ربما أكثر. لكن اللحظة الراهنة تثبت أن هذا الجيل لا يزال حاضرا بجمهوره.

ويمكن إجمال هذه الأجيال بقدر من الإيجاز في العرض التالي (22):

1 - الجيل الأول: كما ذكرنا سلفا، فإن هذا الجيل بدأ بموقع del.icio.us، ولم يلبث أن انضم لقافلته الكثير من المواقع مثل Google Bookmarks، وYahoo-My Web، وAdd This، و linkaGoGo، وTaggly. وأفضل نماذج هذا الجيل وأكثرها تطورا موقع Netvouz. ويمنح هذا الجيل إمكانيات وضع العلامات وتداولها وإدارتها مع تفاصيل واسعة في الإدارة والاستيراد والتصدير؛ لا زالت تجعل لهذا الجيل رونقا، ويكتفي بهذا القدر.

2 - الجيل الثاني: الجيل الثاني فيتسم بوجود اهتمام حقيقي بحالة التشبيك التي مثلت الأساس الأول الذي قامت عليه فكرة علامات تداول المواقع. ويقدم هذا الجيل دوائر مختلفة ومتعددة للتشبيك ينتقي المستخدم من بينها، ثم يطرح الموقع تفضيلات للمستخدم لينتقي علامات التداول المحددة بواسطة أي من دوائر التشبيك التي يختارها، مع وجود تعدد في مستويات وكيفيات التعامل مع الفهرسة في علاقتها بدوائر التشبيك. ومن أهم المواقع المعبرة عن هذا الجيل موقع Magnolia، بالإضافة إلى مواقع مثل موقع Diigo، ومواقع Feed Me Links، و BlinkList، وNewsVine كذلك.

3 - الجيل الثالث: الجيل الثالث يوفر درجة عالية من درجات التفاعل والنقاش بين المستخدم ودوائر الإنتماء الخاصة به أونلاين حول رابط من الروابط، فكأنها منتديات مؤسسة على فكرة فهرسة المواقع في إطار التشبيك. ومن أهم المواقع التي تعد رموزا لهذا الجيل موقع BUMPzee، وموقع BlogLines، وموقع co.mments.
4 - الجيل الرابع: الجيل الرابع من مواقع علامات التداول هي تلك المواقع التي صممت لكي تلتحم بالمتصفح أكثر منها لتكون موقعا مستقلا.

وهذا الجيل من علامات تداول المواقع لها مواقع، لكن أكثر هذه البرمجيات تطورا هو برنامج Yoono يقتصر فيه دور الموقع على تحميل البرنامج مع المتصفحات التي تقبل التفاعل معه. وموقع Yoono يعمل مع المتصفحات بخلاف الإكسبلورر. وهو يفتح في بار جانبي في المتصفح، وينقسم لقسمين لا يعملان إلا مع فتح أي موقع: القسم العلوي يتولى عرض المواقع التي يغلب عليها أن تتم فهرستها بالعلامات التي تنطبق على الموقع المفتوح، والقسم الأسفل يكون به أسماء المتواجدين أونلاين ممن أضافوا علامات للموقع الذي يفتحه المستخدم في نفس اللحظة، بحيث يمكن للمستخدم أن يدخل في دردشة مع من أضاف هذا الموقع.

وينتمي لهذا الجيل أيضا موقع مثل Stumble Upon وYolicit، ويتشابه الأخيران في وظائفهما التي تتعلق بإنشاء حوار غير مباشر حول المواقع المفضلة وتلك المرفوضة؛ بالإضافة للوظيفة التقليدية من التصنيف والتشبيك، بينما يختلفان عن البرنامج الأول في أن الأول يوفر تواصلا مباشرا أكثر في مساحة التشبيك، يضل إلى درجة توفير مساحة للدردشة حول علامات التداول. فلو أن أحدا صنف إسلام أونلاين باعتباره موقعا ترفيهيا أو إرهابيا فيمكنك معرفة اسم المستخدم الذي قام بهذا التصنيف، ويمكنك إجراء حوار معه حول أسباب اختياره لهذه الكلمة المفتاحية أو تلك تعبيرا كوصف للموقع. وربما يكون لمثل هذا الإجراء وظائفه الترويجية بجانب وظائفه المرتبطة بصورة الموقع ومدى وصول رسالته للجمهور المستهدف.

خاتمة:
=====
كانت الإنترنت الكلاسيكية تتيح إمكانية الترويج للمواقع عبر مجموعة من الآليات التي احترفها كل محترف لفن الترويج الإليكتروني. الإنترنت الجديدة تجعل من الممكن لأي زائر لأي موقع أن يتصور هذا الموقع كيفما يشاء من التصورات التي تتولد لديه من أداء الموقع ورسالته الحقيقية، ويقوم الزائر بتعريف الموقع مع جماعته الخاصة بصفات تخصهم، ويتداولونه بينهم على هذا الاعتبار، ويكتسب الموقع صورة إعلامية وذهنية جديدة، ويكتسب مساحة جديدة من الترويج؛ وعددا أكبر من الزوار بناء على هذا التصور الجديد، لينفتح أمامنا باب جديد لدراسة الصورة الخاصة بموقع من المواقع كما تتداوله علامات تداول المواقع.

**=========**
الإحالات المرجعية:
**=========**

1 - Wikipedia, the free encyclopedia, The Article of: Social Software.
2 - تم الاعتماد في هذا الجزء بتصرف على المقالة التالية للباحث الأمريكي ستو بويد مع تجميع الأمثلة بالملاحظة المباشرة أو من خلال المرجع السابق:
Stowe Boyd, Are You Ready for Social Software?, Personal Site of Stowe Boyd, 17-10-2006.
3 - Wikipedia, the free encyclopedia, The Article of: Social Software.
4 - وسام فؤاد، الإنترنت ما بعد التفاعلية وتطوير الإعلام الإليكتروني، موقع اتحاد كتاب الإنترنت العرب، بتاريخ 10-11-2007. وقد نشر البحث أيضا بموقع مبادرة: نحو إنترنت عربية حرة الذي دشنته الشبكة العربية لمعلومات حقوق الإنسان، وموقع مجلة الحوار المتمدن، وهي مجلة فكرية طليعية تجديدية يسارية.
5 - المرجع السابق يتضمن مقابلة مع أ. توفيق غانم الرئيس التنفيذي لمجموعة ميديا إنترناشيونال، وهي بيت خبرة في مجال الإعلام الإليكتروني.
6 - Wikipedia, the free encyclopedia, The Article of: Social Bookmarking.
& also: Wikipedia, the free encyclopedia, The Article of: Social Software.
7 - لفت نظري لهذه القيمة العملية لتعليق محرك البحث جوجل على عدد نتائج البحث ووقت إيجادها تلك الإحالة المرجعية:
محمد عبد الكريم، Social Bookmarking Project، دراسة جدوى غير منشورة أعدها الباحث لإدارة تنمية الأعمال بشركة ميديا إنترناشيونال؛ لإنشاء موقع إحالات تداول.
8 - راجع الصفحة الرئيسية لموقع http://www.socialmarking.com، ونظام التسعير بهذا الموقع كمثال.
9 - راجع الموقع في الإحالة السابقة.
10 - تعاملنا مع قضية البحث عن أسماء الظاهرة في اللغة العربية بأسلوب بحثي يعكس خصوصية الإنترنت، حيث بحثنا عن مصطلح Social Bookmarking، ولكن حددنا البحث بأن يتم في المواقع العربية وليس في كل المواقع، حيث يؤدي البحث في كل المواقع إلى تجاهل النتائج العربية. ومن هنا رصدنا الاتجاهات الأربع في تسمية الظاهرة في العالم العربي.
11 - يرجى مراجعة الرابط التالي:
http://outsourcingmonitor.eu/translations/arabic.php?u=what-is-social-bookmarking-tagging.html
12 - راجع الشريط العلوي لمحرك بحث جوجل عقب ظهور نتائج البحث لكل عبارة من العبارات المستخدمة، حيث يوضح هذا الشريط كلمة البحث المستخدمة، وعدد نتائج البحث، والزمن المستغرق في البحث، واللغة التي تم البحث فيها (اللغة الإنجليزية أو لغة الإقليم الذي يحمل رابط محرك البحث امتداده مثل: eg كامتداد لإقليم مصر وae كامتداد لإقليم الإمارات.. إلخ).
13 - Wikipedia, the free encyclopedia, The Article of: Social Bookmarking.
14 - المرجع السابق بتصرف وترجمة غير حرفية.
15 - Sue Chastain, What is Tagging?; Using Keyword Tags for Digital Photo Organization, About.com.
16 - Wikipedia, the free encyclopedia, The Article of: Social Tag.
17 - Wikipedia, the free encyclopedia, The Article of: Folksonomy.
18 - المرجع السابق، بتصرف.
19 - وسام فؤاد، الإنترنت ما بعد التفاعلية وتأثيراتها في الإعلام الإليكتروني، مرجع سابق.
20 - William Brister, Web 2.0, EZine Articles web Magazine.
21 - Bill Ives, Intranet Social Bookmarking: Playing Tag Behind the Firewall, Intranets Today, 03-07-2006.
22 - قام الباحث بإجراء مسح استطلاعي شمل 50 موقعا من مواقع علامات تداول المواقع وخلص لهذا التقسيم الجيلي لمواقع علامات التداول.


Post a comment Tags: ًًوسام فؤاد، علامات تداول ا...

ضرورات إعادة تعريف العلمانية في عالمنا العربي

  • Apr 24, 2008
  • Post a comment
وسام فؤاد

كلما نظرت بعين الباحث - لا السياسي المنتمي - لإشكالية المواجهات الإسلامية العلمانية في بلدي، وذلك الاستقطاب الذي استغلته القوى الرافضة للديمقراطية والمعادية لها، ومتتالية صعود وانهيار الحالة الحوارية بين الطرفين، كلما نظرت لهذه الظاهرة أحسست بالمسؤولية المشتركة لطرفي العلاقة حيال عدم تقدم أوطاننا؛ سواء في ذلك الجانب الإسلامي أو الجانب العلماني.

لكن المسؤولية ليست الجانب الوحيد الذي أريد طرحه هاهنا بل لابد من الإشارة لمراجعات الحالة العلمانية نفسها لنفسها، واضطراب اليقين حول العلمانية كعلاج اجتماعي ناجح؛ سواء في الغرب أو في أوطاننا.

وليست المراجعات أيضا هي منتهى حديثي. حيث أرغب في أن أستفيد من مراجعات مواقف الإسلاميين والعلمانيين في بلداننا بالإضافة لمراجعة الفلاسفة الليبراليين لمفهوم العلمانية في إعادة طرح مفهوم جديد كمدخل لإصلاح الحالة الوطنية.


أولا: مسؤوليات الطرفين عن الإشكال وتراجع الحوار

لا يمكن مناقشة قضية بهذه الدرجة من الأهمية من دون مناقشة المسؤوليات عما آلت إليه أحوال أوطاننا. وفي هذا الإطار نناقش المسؤوليات الجسيمة لكل من الطرفين الإسلامي والعلماني عن هذه الوضعية السياسية المتردية:

أ – المسؤولية العلمانية: في البداية أود الإشارة إلى أن مسؤولية الخطأ بصفة عامة كانت قسمة بين الحالتين العلمانية والإسلامية في مصر، لكن مسؤولية تأسيس الخطأ تقع على عاتق الحالة العلمانية. ونحن هنا لسنا في محل مزايدة أو تبادل اتهامات. فكل طرف كانت له أخطاؤه التاريخية، لكننا بصدد تتبع بعض جذور المشكلة لعل في هذا ما يثري حوار عمليا بصددها.

فالملاحظ أن الآباء المؤسسين لمشروع الإسلامية التجديدية (الطهطاوي – الأفغاني - عبده) كانوا على وعي بأخطار أزمة الانكسار الحضاري وما يمكن أن تؤدي إليه من مغالاة في لغة الخطاب الإسلامي أو في بنيته (باعتبار هذا الخطاب مشروعا اجتهاديا)؛ ولذا كانت أطروحاتهم واضحة في طبيعة الدين وجوهره وأهميته، وكذا حيال القيمة المضافة التي يمكن الاستفادة فيها من الغرب، وكان هذا المدخل مما أسس لتيار وعي يتجاوز الحالة المنغلقة التي كانت تؤسس التجربة الوهابية القادمة من شبه الجزيرة لتوليدها داخل تيار الوعي الوطني والعربي بشكل عام. وفي هذا الإطار تأسس فيما بعد خطاب جماعة الإخوان المسلمين في أواخر العشرينات، وهو الخطاب الذي قبلت مساحة عريضة من أطياف الحالة السياسية والثقافية آنذاك مساحة كبيرة من خطابه؛ وإن كانت قد خشيت من قوته السياسية بسبب القدرة التعبوية العالية لهذه الحركة. ولعل موقف زعيم الأمة المصرية تاريخيا: مصطفى النحاس باشا من ترشيح مؤسس جماعة الإخوان المسلمين ومرشدها الأول الأستاذ حسن البنا نفسه للانتخابات أكبر الأمثلة على هذه الأطروحة، حيث ساوم النحاس البنا على أن يتنازل عن ترشيح نفسه مقابل منحه حرية الدعوة لمنهجه، وهو ما قبله البنا. ويمكن فهم موقف النحاس في أنه يؤيد الخطاب لكنه لا يؤيد حدوث الشقاق في الأمة ما بين البنا وبين رمز وفدي كبير ينافس البنا، ولهذا اختار الحل الذي يحقق له المرادين معا: نشر الفكرة وانسحاب البنا.

كان المفهوم من خطاب حسن البنا أن نصوص الوحي حافلة بمبادئ تتعاطى إيجابيا مع هموم الحالة العلمانية. فالشريعة ترفض تسلط رجال الدين، وترفض وجود كهنوت، فضلا عن أن تسمح بتسلطه السياسي والاجتماعي والاقتصادي، على الأقل في المذهب السني. كما أن الشريعة تسوي بين المسلمين وغير المسلمين في حق الوطن (وثيقة المدينة كأصل من السنة)، وتميز بينهم في حق كل منهم في الاحتكام لشريعتهم. ولعل موقف الدكتور مكرم عبيد من الجماعة كان أيقونة للتفهم الكامل لخطاب الجماعة حيال الحالة القبطية. كما أن التاريخ أثبت طوال مسيرة الدول الإسلامية أن الإسلام لا يضع قيدا ولا حدا على المنهج العلمي في العلوم الطبيعية. كل ما كان من أوجه الخلاف بين طرفي الاستقطاب من جذرية أن الإسلام دين، ومن ثم فسيكون بنيويا ضد إزاحة حضوره من المجال العام.

وكانت آنذاك ثمة خطابات متعددة أبرزها جماعة أنصار السنة التي كانت متأثرة بالطرح الوهابي الذي كانت قيمته الحقيقية تخليص العقيدة مما لحق بها من خرافات، فضلا عن استمرارية الخطابين السلفي (غير الرسمي) والأزهري (شبه الرسمي الذي كان لا يزال يعاني تراجعا). وكان المتوقع أن تلجأ الحركة العلمانية في مصر – كمثال – إلى التيار الوسطي وتتحالف معه، وتكمل معه المسيرة مع الحفاظ على المسافة النسبية بينهما، خاصة وأن ثمة مشروعات وافرة الحظ لتقاطع الخطابين حيال قضايا الوطن آنذاك، فضلا عن قضية مقاومة الاستعمار ومطالب الاستقلال من ناحية ومشكلة الاستبداد من ناحية ثانية، وقضية النهضة من ناحية ثالثة. وكانت الجذرية في طرح البنا تتمثل في أطروحة العودة للخلافة التي يمكن فهمها في إطار دعوة الأفغاني لجامعة إسلامية.

غير أن شريحة من الشباب الذي تتلمذ على يد الشيخ محمد عبده لم يلبث أن اتجه اتجاها قطعيا نحو استيراد مفهوم العلمانية بصيغته المعادية للدين وليس بصيغته المنادية بوجود محايد للدين في علاقته بالدولة، وقام هؤلاء بحمل مفاهيم آباء التوجه الفرنسي في إطاره العربي من زاوية استيراد العلمانية كسلامة موسى وشبلي شميل الذين طالب أحدهم صراحة في أحد كتبه باستيراد كل ما أنتجه الغرب حتى ولو كان قذى أمعائهم. كان من المفهوم إلى حد ما أن يتجه مسيحيو العالم العرب المثقفين هذه الوجهة المعادية للدين، وبخاصة أولئك الذين تربوا ثقافيا داخل المدرسة الفرنسية التي تطور شعارها الثوري الإجرائي لتصبح أيقونته الثقافية: "اشنقوا آخر ملك بأمعاء آخر قسيس". لكن آباء العلمانية المؤسسين من المسلمين نهجوا نفس المنهج من دون أن يتركوا بقية جسر يمكن معه ردم الفجوة الإسلامية العلمانية لصالح الوطن، ومن دون أن يبذلوا جهدا حقيقيا في محاولة تبيئة المفهوم وتسكينه ضمن تدفق تيار وعينا التاريخي وأولوياته وأجندته. كانت الحداثة لدى هؤلاء تتمثل في القطيعة الكلية عن الواقع ما قبل الحداثي، واعتبرت ذلك بمثابة الرؤية والمنهج الذي لا ند له ولا نظير.

ونشأت المعركة، وتكرست معها الصورة السلبية للمطالب العلمانية التي لا يخلو جلها من وجاهة. وكانت من ثم الخسارة الكبيرة التي خسرها الوطن برهانه على وئام بين المشروعين الحداثي من ناحية والتجديدي الإسلامي من ناحية ثانية.

فباستثناء إقصاء الدين عن الحياة أو المجال العام أو الدولة، كانت جل مطالب الحركة العلمانية وجيهة. فالتسوية المدنية والسياسية بين المنتمين للأديان المختلفة كانت بالغة الأهمية، وبخاصة مع وجود تيار يحاول تحقيق التماسك الإسلامي على حساب تباين العقيدة وتداعياته (جذور وإرهاصات التيارات الإسلامية الراديكالية). كما كان بت الصلة بين الدولة والدين مهما كأطروحة تمنع حدوث تلاعب من الدولة بالدين ولا يصير ثمة شرعية تستفيدها الدولة من الدين. وكانت الحريات قضية مهمة تستحق وقفة تمنع من تردي قضية الحريات في قطاعات من الفكر الإسلامي إلى درجة ما حدث إبان أزمة "وليمة لأعشاب البحر" ومن قبلها أزمة نصر حامد أبو زيد وغيرهما من الأزمات، بحيث نتحدث عن الحريات الخاصة بالرأي والتعبير باعتبارها حريات شخصية، ومن يريد شراء المنتج الفكري العلماني او حتى الملحد فهو حر. فإجابات كل هذه الأسئلة وحلول كل هذه القضايا يحملها الدين في داخله؛ سواء أكان يحملها جلية بادية بنص ظني أو قاطع، أو كان يحملها ضمنا في مقتضيات النصوص. ولم تكن تنتظر سوى أرضية خصبة مواتية لحالة اجتهادية منتمية للوطن ولا تحمل هم الاستقطاب والصراع الذاتي الداخلي. وكانت البقية متروكة للتفاوض الاجتماعي والسياسي الذي كان من المنتظر أن يكون المنهج الحاكم لإدارة خلافاتنا.

كان الإسلام مكونا قويا من مكونات وعي وثقافة الجماهير، قضت الحركة العلمانية جل جهدها واستنفدت جل طاقتها في إقصائه عن المجال العام بدون محاولة الاستفادة من طاقته التعبوية الطوعية لا القسرية. ومن ناحية ثانية؛ بذل الإسلاميون وسعهم في أن ينبهوا الناس إلى أن هذا الإقصاء ليس من الإسلام في شئ، وأن بعض الأطروحات هي أطروحات تبعية وإلحاق. واستفادت نخبة الدولة الحديثة من هذا الخلاف في التثبيت لمكانها، وعمقت حدة الصراع بين الإسلاميين والعلمانيين، وذلك حتى يتثنى لها التخلص من عملية بناء مجتمع مدني قوي يحد من مشروعها الخاص (مشروع الفساد بطبيعة الحال بمستوياته السياسية والاقتصادية). ولم يجد الطرفان: الإسلامي والعلماني فيما يحدث إلا متعة لا تدانيها متعة، فأمعنوا – كل طرف في خطابه واستقطابه – حتى ظهر خطر التطرف الإسلامي الذي كان مقتنعا بأن ما يصدر عن العلمانيين ليس إلا كفرا بواحا يتضمن قدرا هائلا من الافتراء على الدين.

والإشكال الأكبر أن الحركة العلمانية لم تقم بتنقية ذاتها داخليا، واعتمدت على خطاب بعض الكتاب العلمانيين الذين حملوا خطابا مؤسفا ومسفا، أساء للحالة العلمانية نفسها، وأسهم في تكريس وتعبئة الناس ضدها، وكان من هؤلاء الكاتب فرج فودة الذي نأسف لوقوعه ضحية منهجه الخاطئ وكتاباته التي اطلعت على بعضها وحزنت لكم التدليس والافتراء والكذب الذي لجأ إليه هذا الرجل في تشويه صورة الدين والعلماء لكي يبرر منطقه. كانت الحركة العلمانية تعرف الفارق بين الإسفاف والتدليس وبين الحركة العلمانية المستنيرة. ولا ريب في اتساع البون بين بحث مثل "مفهوم النص" أو كتابات سيد القمني وبين ما كان يكتبه فرج فودة وأمثاله. فكتابات الدكاترة نصر حامد أبو زيد وسيد القمني وحسن حنفي كانت كتابات لها منهجية علمية، ولها مراجع، ويمكن الوقوف على أساسها، والتعاطي معه أو نقده، لكن السباب والتدليس الذي لف شريحة من الكتاب العلمانيين لم يكن ثمة قدرة لإسلامي على التصدي لها. وكان البديل هو اشتعال الحرب التي راح ضحيتها الوطن.

ب – المسؤولية الإسلامية: لكن المسؤولية لا تلقى على الطرف العلماني وحده. لقد سيطرت ذهنية الجهاد في صورته اللسانية (فبلسانه) على عقلية الإسلاميين خلال الفترة من نهاية الأربعينات وحتى منتصف التسعينات من القرن العشرين. وبينما لا يزال حمائم الإسلاميين يحاولون تثبيت قدم المراجعة في الحوار الإسلامي العلماني نجد صقور الحركة، فضلا عن صقور عموم التيارات اليمينية الإسلامية تقف على خط ملغوم تنتظر من يتطوع لإشعاله، وما أكثر المتطوعين المحتملين لإنجاز هذه المهمة؛ من أعداء الإصلاح في الداخل أو أعداء الوطن في الخارج.

ومن ضمن مسؤولية الإسلاميين أنها لم تحاول أن تفرغ عملية الاستقطاب السياسي من محتواها الصراعي باتجاه الوصول لحل فيه مصلحة الوطن. إن تلك العملية الحوارية الوطنية لم يكن لها أن تتم إلا وفق اعتبار أن مفهوم العلمانية مفهوم اجتماعي، يقوم على اجتهاد صاغه مجتمع من المجتمعات لمواجهة أزمته التاريخية، وأن لدينا أزمتنا الخاصة التي يمكن في إطارها كإسلاميين أن نفيد من تجديد المفهوم: مفهوم العلمانية بدلا من التعارك حوله. لم يتصور الإسلاميون هذا المفهوم خارج دائرة الكفر أو الموقف السلبي من الدين (ومعهم حق نسبي بالنظر لمنهج التناول العلماني). وتلك كانت نفس المشكلة التي حكمت مخاوف العلمانيين من احتمالات الاستبداد باسم الدين (ومعهم حق نسبي بسبب خضوع الموقف الإسلامي لرؤية سلفية مسبقة من دون نظر فيما تسمح به الأصول من تجديد). فذهنية القتال التي حكمت الإسلاميين أدت لإلغاء الحساسية حيال المصطلح وحيال ظرفه التاريخي ودلالة نسبية هذا الظرف، ودلالة هذه النسبية في إمكان تجديد المفهوم أو توطينه وتبيئته.

والآن نسأل: لماذا نجد أن بعض المفاهيم يمكن أن تكون محل مراجعة وتقدير لخصوصيتنا في إطارها، بينما بعض المفاهيم والمصطلحات يكون أبعد ما يمكن عن احتمالات المراجعة والتطوير وتقدير اعتبارات الخصوصية فيه. لماذا هذه الانتقائية؟ سيحار الباحثون المدققون في إجابة مثل هذا السؤال وفي البحث عن أسباب تلك الانتقائية المجحفة بالمصالح الوطنية. ولم يمنع هذا التحير من قيام بعض الوطنيين المخلصين بتقديم رؤى تآمرية مفادها أن بعض الحكومات العربية الداخلية والخارجية تتلاعب بالقوى السياسية وصراعاتها الثقافية والسياسية لأجل ضمان استقرارها. بالإضافة إلى سعي بعض الأنظمة لاكتساب شرعية دينية عن طريق جهود تأجيج هذه المواجهات بين العلمانية والإسلام.

ولأن الحالتين الثقافيتين العلمانية والإسلامية في مصر بخاصة وفي العالم العربي بعامة ضد النظرية التآمرية؛ فإن مجموعة من الباحثين قد قاموا بتحويل مقولات نظريات المؤامرة هذه إلى فرضيات يتم اختبارها وفق المنهج العلمي، وثبت بالاختبار التجريبي العلمي أن هذه المقولات صحيحة. بل وقد أثبتت بعض الدراسات أن هذه الدول كانت تتدخل في بعض الأحيان لأجل اعتقال أحد الكوادر الإسلامية حين يصدر عنه بعض المقولات السياسية التي تقول بالتوافق والتحاور والتجديد، وعندما يصدر عنه من محبسه ما ينم عن التشدد كانت الحكومة تقوم بإخلاء سبيله وإطلاق حريته في التنقل والتعامل مع الصحافة (نموذج علي بلحاج في الجزائر وموقفه من مشروع الوئام الوطني). بل إن بعض الدول كانت تستفيد من الخلاف الإسلامي العلماني في كبح جماح القوى التي كانت تدعو إلى التجديد والإصلاح والديمقراطية على اعتبار أن الديمقراطية كفر (ويمكن الوقوف على طبيعة هذا الخطاب بتحليل مضمون صحيفة المسلمون السعودية التي كانت تصدر من لندن في الثمانينات وتوقفت تحت ضغوط عربية وغربية). وقد عشت تلك الفترة التي كان فيها فقهاء هذه الدولة يعتبرون الديمقراطية كفرا بواحا وخروجا سافرا على حاكمية الله كما حددتها آيات سورة المائدة الشريفة التي نرى أن علاقة الديمقراطية بها كانت اجتهادا خاطئا.

لم تقف الحركة الإسلامية هي أيضا وقفتها الصارمة. ولم تحاول كسر حدة العزلة والمواجهة، واستبدالها بعلاقات شخصية بين النخب العلمانية والإسلامية؛ تكسر حدة الاستقطاب، وتكون أكثر قدرة على جعل الحوار منهج حياة، وجعل انفتاح الذهن والقبول الحسن للرأي الآخر في إطار الاستعداد للنظر فيه وليس تلقفه بغرض التمزيق والرد.


ثانيا: مراجعات المشهد العلماني.. ودلالاتها

لا يخفى على أحد حركات المراجعة التي تصدر عن قيادات جماعتي تنظيم الجهاد والجماعة الإسلامية المصريتين حيال موقفهما من منهج العنف في التغيير السياسي. كما لم يخف علينا أن الحركة الإسلامية الوسطية كانت أول الأطراف التي قامت بحركة مراجعة لأدبياتها، وعبر هذه الحركة من المراجعة أقرت كثيرا من أدبياتها السابقة، وعدلت عن شريحة من أفكارها وجعلتها نهبا للمراجعة، ونشرت ما روجع وما أقر في مجموعة من الكتيبات مثل الإخوان في مواقفها من الديمقراطية وقضايا المرأة وقضايا المواطنة والآخر الديني.. إلخ. ولا يخفى كذلك منهج الاستشارة الذي تنهجه الجماعة في تعاملها مع كثير من أطروحتها ومنها الأطروحة الحزبية الأخيرة التي نوهت الجماعة عنها في يونيو 2007، والتي نشرت الصحف حيالها استشارتها لمجموعة من المفكرين حول بنود برنامجها وكان من بينهم المفكر القبطي الدكتور رفيق حبيب.

التوجه العلماني أيضا بدا يعاني أعراض المرض الذي استوجب المراجعة. وحقيقة، أصابني الحزن لأني لم أجد دورة المراجعة تبدأ من مصر. ويحضرني في هذا الصدد قول النبي صلى الله عليه وسلم الذي مفاده أن المصريين خير أجناد الأرض، ويبدو أن شخصيتنا القومية لا  تحفل كثير بالصدمات التي تعقب الصدامات وتصر على التصادم ومزيد تصادم، فهي شخصية تجيد التمترس خلف أية دروع معدنية أو مفاهيمية تساق إلينا من دون محاولة النظر في طبيعة هذه الدروع وخصائصها. ويحضرني في هذا الصدد ما حدث إبان "أزمة الحجاب" التي أعقبت تصريحات وزير الثقافة المصري فاروق حسني في أوائل 2007. فهذه التصريحات أتت في توقيت كانت القوى السياسية فيه قد راكمت قدرا من الحوار ومحاولات استكشاف المصلحة الوطنية الحقيقية، ومحاولة إدراك العدو الحقيقي عدو الديمقراطية والإصلاح وعدو الحريات، واجتمعت القوى السياسية بأكملها ضد مشروعات التوريث وتقييد الصحافة وتلجيم القضاء، وبدا للجميع – ولي بصفة خاصة – أن مصر على وشك أن تبشر بحادث سعيد ناضج النتاج، وفجأة؛ عصفت تداعيات تصريحات وزير الثقافة المصري بتلك الآمال والأحلام، ووجدنا القوى الملتئمة الشمل تتبعثر قواها، وتخور وحدتها، وتتمزق كلمتها، وتتناثر كرامتها، وتضيع هيبة تجمعها وتكتلها، كل ذلك حصل عند أقدام قضية أقل ما كان يمكن للعقلاء أن يقولوه حيالها بأنها حرية شخصية.

وبرغم أن عملية مراجعة الرؤية العلمانية قد بدأت في الغرب مبكرا على أيدي اليسار الجديد، إلا أن بدايات كسر جمود الموقف الفكري حيال العلمانية في عالمنا العربي ما صدر عن العلم الفكري البارز الدكتور عبد الوهاب المسيري من عملية إعادة تعريف للمفهوم وإعادة بناء النموذجين الإدراكي والتفسيري المرتبطان به وبحضوره في الوعي العربي. تجاوز الدكتور ثنائية العلمانية التي هي إما اللاديني Non Religious أو ضد الدين Anti Religious، وأعاد النظر للعلمانية باعتبارها نموذج حياتي يقوم على إحلال القوى المادية والطبيعية محل الإله في نموذجنا الإدراكي للحياة ومنهج تعاملنا معها. وكان طرح الدكتور عبد الوهاب المسيري في نظر الكثيرين متطرفا في تصويره للعلمانية في المجتمع الغربي باعتبارها ضد الإنسان الذي يرونه حاضرا في الأسرة الغربية وفي الصداقة وفي مساحات كثيرة من العمل العام.. إلخ، وهو ما عبر لي عنه الدكتور هيثم مناع حوارنا الثنائي على هامش أحد ورش العمل التي حضرناها سويا في الشبكة العربية لمعلومات حقوق الإنسان. غير أني أرى أن هذه الراديكالية المسيرية حركت درجة من الوعي النقدي بين مجموعة من المفكرين العرب والمسلمين وغير المسلمين وغير العرب، وأنتجت حالة حوارية خرج منها مجموعة من العلماء والفلاسفة أمثال جون إسبوزيتو وجون كين وعزام التميمي وبيرفيز منصور، وغيرهم كثيرون، برؤية نقدية قوية للحالة العلمانية كان لابد لنا من وقفة معها. وقد نشرت هذه الأطروحات ضمن كتاب مشترك للمفكرين الخمسة؛ تحت عنوان: الإسلام والعلمانية في الشرق الأوسط، وتولى تحريره البروفيسور جون إسبوزيتو.

تقول الأطروحة الأساسية للمساهمات المتعددة في هذا الكتاب أن تيار العلمانية في بلدان الشرق الأوسط، وخاصة الدول العربية، ويعاني انحسارا قويا لصالح تيار الفكر الإسلامي. وللتأسيس لهذه الأطروحة يقدم جون إسبوزيتو، بروفيسور الأديان والعلاقات الدولية في جامعة جورج تاون، استعراضا لوضع العلمانية في الشرق الأوسط في بدايات القرن الواحد والعشرين، يركز فيه على ما يراه تراجعا مستمرا للعلمانية، ليس فقط على مستوى الغالبية العامة عند الناس في المنطقة، بل وأيضا على مستوى النخب. وألمح إسبوزيتو لملاحظته أن النخب العلمانية الحاكمة في أكثر من بلد لم تستطع استيعاب هذا التراجع أو القبول به، وقد أشار إلى أن السبب الأساسي وراء هذا التراجع ما أسماه "العلمانية الأصولية"، التي رأى أن مصدر تهديدها للعمانية كخيار ما تمثل في أنها لم تطرح العلمانية كخيار من الخيارات بل باعتبارها السبيل والخيار الأوحد الذي يجب أن تنهجه المجتمعات العربية والإسلامية.

المشكلة الكبيرة التي كشف المفكرون النقاب عنها في كتاباتهم التي تلت أن النخب العلمانية الحاكمة لا تريد أن تعترف بالتغيرات الاجتماعية والفكرية والسياسية الجذرية التي حدثت ولا تزال تحدث في داخل المجتمعات العربية وخارجها، حيث برزت التيارات الشعبية غير العلمانية وتحديدا الإسلامية، ولم تكن النخب العلمانية ترى وسيلة للتعامل مع هذه التغيرات إلا قطع الطريق عليها وقمعها، وما هذا التحالف المشبوه مع الدولة العربية المستبدة إلا أحد أوجه خيار قمع هذه الحركات الاجتماعية.

والمفارقة الغريبة التي يلتفت إليها البروفيسور إسبوزيتو أن العلمانية في الشرق الأوسط صارت متلازمة مع الدكتاتورية؛ رغم أنها تزعم الحرية والانفتاح والديمقراطية الليبرالية. ويضرب أمثلة على ذلك بتحالف الجيش وأجهزة الأمن مع النخب العلمانية الحاكمة لإحباط التحولات الديمقراطية، سواء فوز الجبهة الإسلامية للإنقاذ في الجزائر، أو فوز حزب الرفاه في أكثرية المقاعد البرلمانية في تركيا وتسلم أربكان للوزارة، أو فوز حركة النهضة التونسية بعدد كبير من المقاعد في الانتخابات التونسية التي سبقت حل الحركة وإعلان الحرب عليها، أو لجوء الرئيس المصري للجيش عندما يشعر أن شرعيته وشعبيته في ترد مستمر.

ولم يلبث البروفيسور جون كين، أستاذ العلوم السياسية في جامعة وستمينستر أن طرح سؤالا يراه مثيرا لاستفزاز العلمانيين، وهو فيما إذا كانت العلمانية تحول دون حرية التفكير في الديمقراطية نفسها، وبأنها تحولت إلى دوجما سياسية. وقد صرح جون كين بأن العلمانية تحمل تناقضات داخلية لا يمكن القفز عنها، رغم أنها تناقضات لا تصل إلى حد إسقاط العلمانية من الداخل. أول التناقضين دعوتها إلى حرية العبادة وحرية الاجتماع الديني، الذي يقود في نهاية المطاف، كما هو الحال الراهن، إلى زيادة رقعة الدين، والدعوات الدينية للتدخل في الشأن العام والسياسة باعتبار أن للدين دورا مهما يمكن أن يؤديه في السياسة. ففي الوقت الذي لا تستطيع فيه العلمانية إلا أن تعترف وتسمح بحرية الأديان والممارسة الدينية، فإنها تعترف بتناقض داخلي يعمل على تقويضها، وهي لا تستطيع أن تقف في وجهه لأنها تفقد صفتها الليبرالية الأساسية. وثاني التناقضين يتمثل في ترافق "عدم اليقين الوجودي" مع العلمانية ليحل محل اليقين الديني عند الأفراد، وهذا لا يشبع التطلعات الإنسانية والروحية عند الناس خاصة في عالم مليء بالضغوط والتوترات حيث يحاول الأفراد الوصول إلى سبل السكينة والراحة الخلاصية على المستوى الداخلي لهم، وحيث تبرز أهمية "التضامن الديني".

وأشار كين إلى تناقض داخلي آخر هو تقارب العلمانية مع الدكتاتورية تحت مسميات عديدة. ويضرب مثلا على ذلك تركيا وإلى حد ما فرنسا، ففي الأولى تتحالف العلمانية مع الدكتاتورية العسكرية تحت مسميات حماية الدستور العلماني من تصاعد المد الإسلامي، وفي الثانية تتحالف العلمانية مع ممارسات دكتاتورية مثل منع الحجاب أو التضييق على المسلمين تحت مسمى الاندماج أو محاربة التعددية الثقافية.

أما برفيز منصور، وهو كاتب وباحث إسلامي آسيوي، فقد ساهم في هذا الكتاب بدراسة عميقة تدعو إلى تفكيك "القداسة" عن العلمانية، ونقض الادعاء السائد بأنها موئل الحقيقة والعلم. ودعا إلى ضرورة عدم التعامل مع العلمانية باعتبارها "نظرية كبرى" قادرة على تفسير كل الظواهر، أو جاهزة للتطبيق في كل مكان وزمان. وقد أشار برويز منصور إلى أن من العبث اعتبار كل النقاش العلماني – الإسلامي وكأنه صراع بين قيم الإسلام الإيمانية ومنطلقات الحداثة العقلانية، أو بين رغبة الإسلام للتمكن والنظام العالمي المتمكن، وحاول تقديم طرح إنساني فلسفي آني قوامه أن الصراع بين الإسلام والعلمانية هو صراع بين الإيمان بصورته الإسلامية الذي يجسد ما هو متجاوز والافتراض العلماني الثيوقراطي بأن الحقيقة التامة قد تم الوصول إليها عبر افتراضات العلم التي لم تثبت صحتها بدرجة يقين عالية.

أما الدكتور عبد الوهاب المسيري فقد حدد ملامح العلمانية كمنهج حياة بأنه المنهج الذي تحل فيه المادة/الطبيعة محل الإله في المنظومة الثقافية التي تدير حياة العلماني ومجتمعه، ورأى أن هذه الرؤية بدأت بأيديولوجية مجدت الإنسان ودعت لوضعه وعقله في مركز إدارة المنظومات الاجتماعية والحياتية، ولكن المنظومة طردت الإنسان كقيمة اجتماعية وعقل، وأحلت محله كل القوى المادية التي أدت لمعاداة العلمانية للإنسان في النهاية، ومنها قوى السوق التي حولت الإنسان لمستهلك، وقوى الربح التي حولت الإنسان لسلعة أو شئ يعرض في الواجهات التجارية ويباع ويشترى؛ وهو ما عبر عنه الدكتور المسيري بنحت مصطلحي التسلع أو التشيؤ كدوال لغوية تعبر عن هذه الحالة من حالات الاغتراب نتيجة العلمنة المادية، وهناك أيضا قوى المصنع التي عصفت بالحقوق الأساسية للإنسان سواء أكانت حقوقا اقتصادية أو اجتماعية، وثمة كذلك قوى السياسية التي عصفت مكيافيلليتها بالأخلاق.. إلخ. هذه التجليات أفزعتنا ونحن مع الدكتور عبد الوهاب المسيري في صالونه؛ فأوضح لنا أن هذا هو النموذج، وأن الناس تقاوم ضمنا النموذج العلماني الكامل لأنها تشعر أنه سيسحقها. فماذا تبقى بعد ذلك من مفهوم العلمانية؟!

إن كان لي أن أعلق على هذه الأطروحات فإن تعليقي ينصرف إلى أن هذه الأطروحات قضت على المفهوم كمنتج فلسفي من ناحية، وأجهزت عليه كمفهوم اجتماعي يؤدي وظيفة اجتماعية/سياسية/ثقافية من ناحية ثانية. فهذه المراجعات فرغت مفهوم العلمانية من مضمونه تماما، حتى وإن أصر البروفيسور جون كين على موقفه القاضي بأن تناقضات المفهوم لا تؤدي لتقويضه.

والواقع أن الدكتور عبد العزيز صقر، وهو أحد أبرز الباحثين المهمين الذين درسوا علاقة الدين بالدولة قد أنتج بحوثا ودراسات معمقة ترصد علاقة الدين بالدولة وبالمجال العام في كل من أوروبا والولايات المتحدة وأمريكا اللاتينية وآسيا، واختص كل قارة من هذه القارات بكتاب منفصل، وكانت الصيغة التي عبرت بها تلك الكتب عن الظاهرة تتمثل في الحديث عن أنماط علاقات الدين بالمجال العام؛ والخصوصيات الجغرافية التي ميزت الأجنحة القارية عن بعضها؛ وأسباب ذلك، وخلاصة الكتب جميعا إن المؤسسات الدينية لم تخرج يوما من دائرة المجال العام في هذه القارات الأربع، بل لها علاقات وثيقة بشخوص ورموز المجال العام، ولن يكون مفاجأة أن نشير إلى أن الإدارة الأمريكية اليمينية استعانت بأشخاص كانوا ضمن بيروقراطية البيت الأبيض منذ أمد، بما يعني أن إبعاد الدين عن المجال العام كان من وجهة نظر الدكتور عبد العزيز صقر أكذوبة.

هذه الرؤية ترتبط بأطروحة طورتها منذ أمد؛ مفادها أن العلمانية كانت مفهوما أيديولوجيا برر إقصاء الكنيسة عن دائرة القرار الفرنسي في لحظة تاريخية معينة، لكن هذه اللحظة لسبب أو لآخر تمكنت من أن تتحول لمرجعية استعصت على السقوط بالتقادم. ومهما كان ما وصلنا إليه؛ فإن ملامح المشهد الآنية تشي بأن مفهوم العلمانية قد جرى تفريغه من محتواه ومضمونه الفلسفي من ناحية، والتاريخي الاجتماعي الوظيفي من ناحية ثانية. وهو ما استدعى تطوير الاقتراب منه في بيئتنا العربية والإسلامية.


نحو اجتهاد جديد حيال مفهوم العلمانية

إذا كانت شهادة الخبراء والمستشرقين قد أفادت بسوء حالة وضع العلمانية كمفهوم وكوظيفة اجتماعية في عالمنا العربي، من زاوية كونها قد فشلت في التعاطي مع الإسلام كدين له خصائص متمايزة عن خصائص الديانة المسيحية بعامة، ومتمايزة عن الخبرة الأوروبية في أواخر القرن 18 بصفة خاصة، وبما أنها كانت مصدرا لتبرير الاستبداد والالتفاف حول الديمقراطية، وبما أنها تحوي ضمنها التناقضات التي أدت إلى فقدان الثقة بدورها الاجتماعي، وبما أن الاتجاهات الفلسفية الحديثة ترفض التعاطي معها كنظرية شاملة، كل هذه الاعتبارات دعتنا للاحتجاج على تداول المفهوم بصورته الحالية.

لم يكن بدعا أن تثور الحالة التركية في وجه المفهوم الذي أدى لتقويض الإرادة الشعبية التركية، وإن كانت نسبية ثورتها لاحتياجاتها المجتمعية لا يمكن مقارنتها باحتياجات العالم العربي الملحة والمصيرية لفصل الدولة وإبعادها عن الدين. فالحالة التركية تشهد مؤسسات محترمة إلى حد كبير، ولا يجري التلاعب مع هذه المؤسسات إلا في أضيق الحدود، أما في عالمنا العربي فلا توجد مؤسسات قادة على تجاوز حالة الشخصنة السياسية القوية التي تتحدى مؤسسات الدولة؛ كما أنها غير قادة على مواجهة تغول السلطة التنفيذية على حساب مؤسسات الدولة قاطبة، فلا أحكام قضائية يتوفر لها الاحترام الكافي، ولا شخصية تعلو على الفساد واحتمالات الرشوة، ولا جهاز للشرطة يمكن للمواطن الوثوق به بعد أن امتلأت مدونات المدونين العرب بأفلام التعذيب التي تجري وقائعها الحقيقية داخل أقسام الشرطة. ولا يمكن القول بأن إضافة الدين لمعادلة تمارس الدولة فيها هذا القدر من التغول يعد غبنا ليس للمجتمع السياسي أو المدني وحسب، بل غبنا لكل الشعب ولعموم الوطن وعبثا بهما.

لقد عانت المجتمعات العربية من تسلط الدولة على الحريات والسياسة في الوقت الذي تكتسب فيه شرعية دينية عبر بروز النخب الحاكمة في المناسبات الدينية والصلوات الأسبوعية، وكان لقب الرئيس المصري في بعض الأوقات: الرئيس المؤمن، وهي تلك الشرعية التي مرر بها كثير من القرارات التي وصفها المفكر والكاتب القدير أحمد بهاء الدين بأنها انفتاح سداح مداح. وتحصل بعض الأنظمة على الشرعية نتيجة حماية المؤسسات الدينية الرسمية وشبه الرسمية لشرعيتها ولمبررات استمرار نظامها. كما أن القوى السياسية الحقيقية القادرة على تعبئة الشارع العربي خلف مشروعات الإصلاح يجري تدبير المحاكمات المختلفة لها بدون أدلة، فضلا عن أن غالبية هذه المحاكمات تتم وفق إطار من اللجوء لقضاء استثنائي لا تتوفر له الحصانة اللازمة ليقوم شخوصه بالحكم وفق قواعد العدل والإنصاف أو القوانين السائدة، والأدهى والأمر أن الدولة تقوم بالتلاعب في الأطر القانونية لكي لا يتمكن أحد من تعقب القرارات التي تتجاوز في التعدي على الحقوق المدنية للمواطنين. وكان آخر هذه الأطر إيقاظ القانون النائم: قانون الصحافة؛ ومعاقبة الصحافيين في إطاره بتهم واهية واهنة وصلت عقوباتها لحد السجن.

ومن ناحية ثانية كانت الشعوب العربية تشهد تسلط الدولة على المؤسسة الدينية، وكانت الدولة تعمل على توظيف المؤسسة الدينية لصالح إكساب قرارات الحكم شرعية. وقد نقلت الصحافة عن أحد المشايخ وقتها زلة لسان فيما يتعلق باتفاقية كامب ديفيد قال فيها: "لا يسأل عما يفعل وهم يسألون"، وهذه الآية صفة من صفات الله تعالى؛ ولا شك في أنها كانت زلة، فقائلها عالم جليل تجله كل الأمة. لكن زلة العالم زلة لكل الأمة.

هذه الاعتبارات تدفعنا لمحاولة تقديم دعم الاجتهاد التركي الذي قدمه كتعريف للعلمانية حيث اعتبر أن العلمانية التي يؤمن بها هي تلك العلمانية التي تعني "حياد الدولة حيال المعتقدات". فذلك التعريف يمكن اعتباره بالنسبة لعالمنا العربي اجتهادا حقيقيا مبني على احتياجات مجتمعية حقيقية. فالدولة العربية تتسلط على المجتمع بدعم من شريحة من المؤسسة الدينية، وتضفي على قراراتها شرعية تمكنها من فرض سيطرتها والاستمرار في موقعها تمارس أدوارا وصلت إلى حد إنكار الحريات الدينية، حيث سبق للدولة أن تدخلت لصيانة عمليات إكراه في التحول من دين لآخر، وضغطت على المؤسسة الدينية لكي توافق على رأيها. إن هذا المبدأ لابد منه لضمان تحرك مدني حقيقي للدولة بدون شرعية مغتصبة، وبدون تبرير لقراراتها أو تغطية لأخطائها في حق الحياة المدنية والحريات.

هذا التعريف الجديد يحقق للطرف العلماني في السعي للإصلاح مجموعة من المكاسب التي فشل في تحصيلها عبر إصراره على التعريف القديم الذي أدى لتحصيل حالة من الفشل العام لكل قوى هذا التيار، ذلك الفشل الذي حاول تجاوزه عبر إعلان مفهوم التعايش مع الدين. ومن هذه الحقوق نجد المواطنة، وحريات الاعتقاد والنشر والتعبير، وتجنيب استخدام الشعارات الدينية في الانتخابات، وهي كلها مكاسب يمكن نيلها لصالح مشروع الإصلاح من خلال التفاوض السياسي المشروع مع القوى الإسلامية التي ستحصل في المقابل على فرصة تحولها لحزب مدني معلن التمويل والبرامج والأعضاء، وهو ما يعتبر في حد ذاته أكبر مكاسب المشروع الإصلاحي.

هذا التفاوض سيكون بداية لبناء التوافق الذي تنشده مجتمعاتنا بحق حول أولويات مشروع الإصلاح، وهو توافق لا يمكن لأوطاننا تجاوز محنتها السياسية من دونه.

Post a comment Tags: "وسام فؤاد", "wessam fauad", الحوار, التنمية, العلمانية, "النهضة

ما بعد التدوين.. الإنترنت وتجديد الإعلام المنتمي

  • Apr 3, 2008

وسام فؤاد


لكي نفهم التطور الذي ستنتجه الإنترنت على الإعلام المنتمي في إطار استشرافي؛ لابد لنا من أن نتفهم اتجاه تطور الإنترنت نفسها، حتى يتسنى لنا أن نعرف ماهية هذا التأثير وكيفيته. ولعل مما يساعدنا على بناء عناصر هذه الدراسة الاستشرافية أن بين ظهرانينا اليوم بعض صنيعها الذي يمكن منه استمداد سيناريوهات العمل الإعلامي المستقبلي. وفي هذا الإطار نتناول أولا تطورات البنية التحتية، ثم ثانيا منظومة تداعياتها في مجال الإعلام الجديد، ونختم هذا الجزء الثاني بظاهرة ما بعد التدوين؛ وهو البعد الاستشرافي الذي تحاول هذه الورقة رسم ملامحه بصورة تقريبية.


أولا: تطور البنية التحتية للإنترنت:

تعتبر الإنترنت وسيلة الاتصال الأسرع نموا في تاريخ البشرية. ففي حين احتاج الراديو إلى 38 عاما للحصول على 50 مليون مستخدم لاستقبال برامجه، احتاج التلفزيون إلى 13 عاما للوصول إلى العدد نفسه، فيما احتاج تلفزيون الكابلات إلى 10 أعوام. أما شبكة الإنترنت فلم تحتج سوى إلى 5 أعوام للوصول إلى ذلك العدد، وأقل من 10 أعوام للوصول إلى 500 مليون مستخدم(1). ويعرض للإنترنت في هذه الآونة جملة من التغيرات نحتاج معها للتعرف الموجز على مسيرتها ثم اتجاه تطورها والمفاهيم الجديدة التي تؤطر مستقبلها.

أ – إطلالة على تطور الإنترنت: في عام 1969، وبعد خروج النظم الشبكية من عالم البنتاجون الدفاعي العسكري، تم وضع أول أربعة نقاط اتصال لشبكة سُميت أربانيت في مواقع في عدة جامعات أمريكية منتقاة بعناية، حتى تم في عام 1972 إجراء أول عرض عام لشبكة أربانيت في مؤتمر في العاصمة الأمريكية واشنطن، وكان تحت عنوان "العالم يريد أن يتواصل"، مؤذنا برفع الستار عن هذه الوسيلة الجديدة من وسائل الاتصال والإعلام. وفي نفس العام تقدم راي توملنس باختراع البريد الإلكتروني لمكتب براءات الاختراع ليقوم بإرسال أول رسالة على أربانيت. وقبل أن ينقضي عام 1973 كانت كل من النرويج والمملكة المتحدة قد انضمتا إلى تلك الشبكة. وفي عام 1974، تم نشر تفاصيل بروتوكول التحكم بالنقل TCP؛ وهي إحدى التقنيات التي ستحدد مستقبل الإنترنيت فيما بعد. وهدأت الأمور قليلا حتى عام 1977؛ حيث أنتجت شركة "ديجيتال إكويبمنت" موقع "إنترنت" خاصا بها لتعد بذلك أول شركة كومبيوتر تقوم بتلك الخطوة. وفي الأول من يناير من عام 1983، أصبح بروتوكول TCP/IP بروتوكولا معياريا لشبكة أربانيت. وفي العام الذي تلا ذلك مباشرة (1984) أخذت مؤسسة العلوم العالمية الأمريكية NSF على عاتقها مسؤولية "أربانيت"، وفي هذا العام تم تقديم نظام إعطاء أسماء لأجهزة الكومبيوتر الموصلة بالشبكة، والمسمى DNS أو Domain Name System. وبعد عامين - في 1986 - أنشأت مؤسسة العلوم العالمية NSF شبكتها الأسرع NSFNET، وفي نفس العام ظهر بروتوكول نقل الأخبار الشبكية NNTP جاعلا أندية النقاش التفاعلي المباشر أمرا ممكنا، وفي هذا العام تم بناء أول جدار حماية لشبكة الإنترنيت من قبل شركة "ديجيتال إكويبمنت". وآذن عام 1990 بإغلاق شبكة أربانيت، وتولت شبكة إنترنيت الأكثر شعبية مهمة تحقيق التواصل بدلا منها. وفي عام 1991 قدمت جامعة مينيسوتا الأمريكية برنامج "جوفر GOPHER" الذي يضطلع بمهمة استرجاع المعلومات من الأجهزة الخادمة في الإنترنت (2). ثم قامت مؤسسة الأبحاث الفيزيائية العالمية CERN في 1992 في سويسرا بتقديم شيفرة النص المترابط Hyper Text، وهو نظام التشفير البرمجي الذي أدى إلى التطور العملي للشبكة العالمية WWW، والذي بدأت معه عملية بث المواقع تأخذ الشكل الأكثر عملية واقتصادية. ثم جاء عام 1993 الذي شهد إنتاج الإصدار الأول من "موزاييك Mosaic" مستعرض الشبكة العالمية، وقد تبعه الآخرون مثل Netscape وExplorer وذلك لتيسير الإبحار عبر الإنترنت. وفي عام 1995 رصد المراقبون تحول نمو الإنترنت إلى انفجار، حيث أصبح عدد الأجهزة الخادمة المتصلة بالإنترنت قرابة ستة ملايين جهاز خادم وخمسون ألف شبكة في جميع أنحاء العالم. وفي عام 1996 بدأ العالم يتصل بشكل دائم بشبكة الإنترنت؛ وبدأت الخدمة تدخل الدول العربية (3).

هذه السطور التي تمثل بداية سلسلة تطور الإنترنت ليست سوى إحدى حلقات تطور الكيان المسمى World Wide Web: WWW، أو المعروف اختصارا باسم The Web أو الويب (4). ونحتاج إثر التعرف عليه أن نتعرف بصورة أكثر كثافة على تلك المصطلحات الجديدة التي تحكم الإطار المستقبلي للإنترنت؛ على الأقل في الأمد المنظور. ونتناول هذه المفاهيم التجديدية فيما يلي، بدءا من ما بعد التفاعلية وحتى Web 3.0.

ب - ما بعد التفاعلية: ما بعد التفاعلية Post Interactivity مفهوم اصطلاحي – صكه الباحث في دراسة سابقة، وهو مصطلح يصف مجمل تلك المراحل الجديدة التي ولجت إليها شبكة الإنترنت منذ عام 2006؛ اعتمادا على ما أضافته إليها تقنيات Web 2.0 وWeb 3.0، وإن كانت إرهاصاتها قد بدأت تتبلور مع بداية الألفية الثالثة. ومصطلح "ما بعد التفاعلية" من خلال الدلالة المباشرة له نجده يعني تجاوز تلك المرحلة "التفاعلية" من مراحل الإنترنت، والتي ذكرت - كمصطلح - للمرة الأولى في عام 1954، في كتاب ولبر شرام: عملية الاتصال الجماهيري وتأثيراتها، ثم في دراسة ماكميلان وداونز McMillan & Downes في 1999، والتي انتهت إلى أن الهدف من الاتصال هو التبادل والإعلام.. إلخ. ومصطلح "ما بعد التفاعلية" مصطلح صكه الباحث في مجال سوسيولوجيا الإنترنت وسام فؤاد؛ معبرا به عن اتجاه الإنترنت لمرحلة جديدة في علاقة مرتاديها وزوارها بمحتواها والمنشور على صفحاتها (5).

فحتى منتصف العقد الأول من القرن الحادي والعشرين، كان مرتادو الإنترنت ينقسمون حديا ما بين منتج لمحتوى الإنترنت وبين مستهلك لهذا المحتوى. وكانت العلاقة ما بين منتج المادة ومتصفحها أو مستهلكها تقوم على تواصل محدود من خلال مجموعة من الأدوات الاتصالية البدائية كبريد عموم المواقع أو ما يسمى: الويب ماستر، أو من خلال البريد الإليكتروني لصفحات المواقع إن وجد، أو من خلال البريد الإليكتروني لمنتج المادة إن أتيح، وكانت بعض المواقع تستبدل هذا كله من خلال توفير قاعدة بيانات لتجميع التغذية المعادة حول منتجاتها المبثوثة على الإنترنت. وهذه الأدوات لم تلبث أن فقدت فعاليتها بسبب سوء استخدامها وازدحامها بالرسائل غير المرغوب فيها. وبمعنى آخر؛ كان التدفق الإعلامي عبر الإنترنت يقوم على فلسفة التدفق في اتجاه أحادي One to Many: من المنتج إلى المتصفح في شكل اتصال إعلامي وتعليق محض، قد يتطور في بعض الأحيان لحوار عبر منتدى إليكتروني مدار يتحكم به مالكه. وكانت قلة نادرة من المواقع تمثل استثناء من هذه القاعدة.

وبدءا من أواخر عام 2005، دخلت الإنترنت مرحلة جديدة أمكن فيها لكل متصفحي الإنترنت أن يكونوا بمثابة مرسلي المادة الإعلامية ومستقبليها في آن، أي أن الإنترنت كوسيلة إعلامية صارت تعبير عن تدفق المحتوى الإعلامي في اتجاهين أو أنه أصبح تدفق متعدد الاتجاهات Many to Many. فبفضل التطور التقني، وترجمته في وسائل مثل الخادمات/السيرفرات الضخمة، وقواعد البيانات المتطورة، وتقدم تطبيقات الويب، بفضل هذا كله أصبحنا نجد مواقع تتيح لزوار الإنترنت ومتصفحيها تكوين حسابات يمكنهم من خلالها تحميل ملفات الفيديو والصوت والصورة والنصوص على ما يشبه مواقع محدودة تخصهم، وأن يتحكموا فيمن بإمكانه مشاهدة هذا المحتوى بدءا من التعامل والتداول الخاص جدا لدرجة الفردية وحتى التداول العام المفتوح للجميع.

واللافت في هذا الصدد أن هذه الخدمات تقدم مجانا. كما أنها أصبحت خلو من الرقابة إلى حد بعيد. وبدلا من المنتديات الإليكترونية المدارة، والمجموعات البريدية محدودة الفاعلية، والمواقع المجانية المتخمة بالإعلانات التي تفرضها المواقع الموفرة للخدمة، بدلا من هذا كله وجدنا المدونات ومواقع الفيديو ومواقع ألبومات الصور ومجموعات التواصل الآني تغزو الإنترنت.

وبرغم انخفاض تكلفة إنشاء المواقع، ونظرا لبعض القيود التي ترد على عملية إنشاء المواقع، وجدنا متصفحي الإنترنت يؤثرون اللجوء لهذه الخدمات المجانية لتوفير الوعي بما يهتمون به من قضايا عبر ما يقدمونه من منتجات الوسائط المتعددة تدعم قضاياهم التي تتراوح ما بين الجدية الفائقة وحتى المشاركة بغرض الترفيه. واللافت أن متصفحي الإنترنت العرب بخاصة لجأوا إلى هذه الخدمات لتوفير درجة من الوعي بقضاياهم السياسية التي تلقى من وسائل الإعلام بما فيها مواقع الإنترنت درجات متفاوتة من التعتيم.

تلك الحالة التي تجاوزت التفاعلية لصالح المشاركة المباشرة من متصفحي الإنترنت في إنتاج وتقديم محتوى هذه الشبكة العنكبوتية هي ما سنعرفه اليوم وتاريخيا باسم "الإنترنت ما بعد التفاعلية". ويتأسس هذا المصطلح على مجموعة من التطورات في البنية التحتية التي سنتناولها فيما يلي. وتعزى حالة ما بعد التفاعلية للتطور الذي حدث في بنية الإنترنت التحتية والذي يمكن تصنيفه لمرحلتين غير متعاقبتين؛ اصطلح على تسميتهما بويب 2.0 وويب 3.0.

1 - الجيل الثاني للإنترنت Web 2.0: يشير مصطلح Web 2.0 لجيل ثان متصور من المجتمعات المبنية على أساس الويب وخدمات الاستضافة المرتبطة بها، بالإضافة إلى مواقع التشبيك الاجتماعي ومواقع الويكي (أسلوب ويكي لقواعد بيانات إدارة المحتوى) وقواعد بيانات الفهرسة الإليكترونية Folksonomies. وتستهدف فلسفة Web 2.0 تسهيل عملية التواصل والتعاون والتشارك في المعلومات بين جمهور الإنترنت. وقد أصبح المصطلح شائعا بعد ذلك المؤتمر الذي نظمه مركز أوريلي ميديا O Reilly Media حول Web 2.0 في عام 2004. وبرغم أن المصطلح قد يوحي بأننا بصدد إصدارة جديدة من World Wide Web، إلا أن المصطلح لا يشير بحال لأي تحديث لجوانب Web 1.0 التقنية، ولكن إلى تغييرات في الكيفية التي يقوم بها مطورو البرامج ومستخدمو الإنترنت في التعامل مع الإنترنت. فهذا الجوهر الجديد Web 2.0 بمثابة ثورة اقتصادية في مجال صناعة الحاسوب نتجت عن النظر إلى الإنترنت باعتبارها منطلق Platform - وليس باعتبارها ساحة نشر، ومحاولة فهم قواعد النجاح في هذا المنطلق الجديد (6).

ولذا لم يعد من الممكن الحديث عن تلازم الإنترنت والمتصفح، بل أصبح الاتجاه الجديد أن كل التطورات الحاسوبية تراعي أن يكون شطر منها تشاركي.

إن فلسفة Web 2.0 لا تقوم فقط على اعتبار أن الإنترنت هي منصة في الأساس وليس مستودع نشر، بل يجاور ذلك عدة مكونات أخرى لرؤية Web 2.0 أهمها أن البيانات هي التي تقود عملية التجديد وبناء قالب المنصة الجديدة؛ في الوقت الذي يملك فيها المستخدم البيانات ويتحكم بها، كما أن الابتكار والتجديد داخل كل حزمة نظم والمواقع العاملة بها ينجم عن نوع من التشارك المقصود بين مجموعة كبيرة من مطورين البرامج المنتشرين في أنحاء العالم مع اتسامهم بدرجة عالية من الاستقلالية في عملهم بدون تبعية مؤسسية. ويرتبط بهذا النموذج من نماذج العمل وجود مفهوم مبسط للمشروعات الاقتصادية Business Models التي تمول هذه الحركة؛ وتقوم تلك المشروعات على أساس الاستفادة من المحتوى أو من الخدمات التي تحملها المواقع. كما أن هذه المواقع تعتمد على مجموعة من البرامج تزود بها زوار الموقع باعتبارها دوما النسخة المبدئية والتي تظل مبدئية مهما تطورت؛ وهو ما يعني أن مستخدمي هذه المواقع لن يجدوا حاجة لشراء أي برنامج ولا تكبد عناء البحث عن مفاتيح مزورة له. كما أن البرامج التي تستخدم في هذا الصدد تجد ربحها من خلال اتساع نطاق العلم بها خارج الدائرة الفردية (المنظمات الاقتصادية والطوعية والحكومية) (7).

وفي هذا الإطار يمكن أن نشير إلى خصائص البث على الإنترنت في إطار Web 2.0 بدءا من تلك الروح الأساسية في حقبة Web 2.0 المتمثلة في التشبيك Networking الذي تعتبره غايتها الأساسية، حيث إن الأساس في هذه الحقبة ربط التطبيقات المختلفة بالشبكة والسماح للمستخدم باستعمالها لأغراض التواصل العميق وليس فقط الاتصال؛ وهي من أهم خواص هذه الحقبة. ومن ناحية ثانية، فإن المحتوى – أيا كان يعد ملك لمن بثه أونلاين، ويمكن له التعديل في خصائص عرضه كيفما شاء. ومن جهة ثالثة، ثمة خاصية الديمقراطية التي تتيح لمتلقي أي محتوى بالتعاطي معه إيجابيا وليس فقط تلقيه، عن طريق التعقيب عليه أو نقده من خلال استخدام نص أو بأي من الوسائط المتعددة، أو حتى برابط. ومن زاوية رابعة نجد أن ثمة ارتفاع في درجة اليسر والسهولة في التعامل مع واجهات البرامج التي تدير علاقة المستخدم بالإنترنت، تلك البرامج المعتمدة على تقنيات تبسيطية مثل Ajax وما شابهها (8). ويحاول البعض إضافة التطورات التقنية في مجال الجرافيك، وهذا محتمل كعنصر مكمل، لكنه ليس عنصرا حاسما في بناء فلسفة Web 2.0.

2 - الجيل الثالث للإنترنت Web 3.0: ظهر هذا المصطلح للمرة الأولى في عام 2006 في مقال منشور بأحد مدونات الخبراء الناشطين في مساحة الإنترنت: جيفري زيلدمان في معرض تقديم رؤية نقدية النقاشات المثارة حول Web 2.0 والتقنيات المرتبطة بها مثل تقنية أجاكس المشار إليها سلفا (9).

وفي المنتدى الرقمي بالعاصمة الكورية سيول، والذي عقد في مايو 2007، طلب الحضور من المدير التنفيذي المسؤول بشركة جوجل: إيريك شميدت أن يوضح الفوارق بين Web 2.0 وWeb 3.0، وكانت إجابته فيما يتعلق بالمسمى Web 3.0 أنها طريقة جديدة لبناء تطبيقات الحاسوب، وأنه يرى أن Web 3.0 إن هي إلا مجموعة من التطبيقات المجمعة في إطار واحد، حاملة مجموعة من الخصائص المتمثلة في الصغر النسبي لحجم هذه التطبيقات، والقادرة على أن تنتصب وتشتغل في أي بيئة إليكترونية: كالحاسوب أو الهاتف الجوال أو المساعدات الشخصية الرقمية PDA، وتكون في الوقت نفسه سريعة جدا وقابلة للتكييف وفق رغبة مشغلها، معتمدة في توزيعها وتسويقها كمنتج على زيادة الوعي بها والانتشار من خلال ترابط الشبكات المختلفة الموجودة على الإنترنت؛ مما ينفي الحاجة لتخزينها وشرائها، وهذا نموذج جديد لتداول برامج الحاسوب Different Application Model. وفوق هذا كله نجد هذه البرامج تستوعب طوفان البيانات الذي يجري صبه فيها (10).

وفي كتابات غيره من الخبراء، نجد أن كلمة Web 3.0 تمثل مصطلحا يطلق لتوصيف تطور مختلف حيال استخدام الويب والتفاعل في إطارها على أصعدة مختلفة، على رأسها عملية تحويل WWW إلى قاعدة بيانات هائلة، وتلك ليست سوى خطوة باتجاه تعظيم قدرة التطبيقات الحاسوبية المختلفة ومنتجات الذكاء الصناعي على الوصول للمحتوى بالغ الوفرة على الإنترنت، والذي تصل وفرته لدرجة السيولة التي تعوق سهولة الوصول لمحتوى ذي خصائص نوعية. هذا بالإضافة لما في ذلك من إمكانات تسويقية عالية (11). ويعتبر البعض منهم أن المواقع التي تعتمد تقنية الأبعاد الثلاثية مثل Second Life وVirtual Realm وDisney s Toontown وVirtual Ibiza وغيرها من المواقع تتبع هذه الحقبة من الويب.

ويرى طائفة مهمة من الخبراء أن Web 3.0 هي جيل جديد بمفهوم نوعية المحتوى وليس بمفهوم نوعية التقنية. وفي هذا الإطار يذهب أليكس إيسكولد إلى أن الشبكة العنكبوتية تضم اليوم قدرا من المعلومات والبيانات تجاوز في حجمه إمكانية القياس بالميجابايت أو الجيجابايت ليقدر بمقياس التيرابايت، وهو ما جعل المعلومات النفيسة تختبئ بتشفيرها ولغاتها المتباينة عن حواسيب مستخدمي الشبكة. ويرى أن Web 3.0 كاتجاه من اتجاهات الويب الذكية Semantic Web قادرة على تغيير هذه الحقيقة، حيث إن المواقع الكبرى لن تكون إلا تلك المواقع التي تقدم خدمات الويب، وستكون قادرة على استخلاص المعلومات الثمينة المختبئة داخل الشبكة العنكبوتية ونشرها على العالم. ويرى أليكس أن التحول في أداء المواقع وطبيعة محتواها سيكون في أحد اتجاهين. حيث يرى أن بعض المواقع سيسير في الاتجاه الذي يمثله مواقع مثل موقع أمازون Amazon أو موقع ديليشس Del.icio.us أو موقع فليكر Flickr حيث تمنح زوارها خدمات مختلفة وفق تقنية REST API (تقنية تستخدم لغة Xml للتعامل مع قواعد البيانات ونظام الشراء الإليكتروني). وبعض المواقع الأخرى سوف تحاول الحفاظ على ملكية معلوماتها؛ لكنها ستجعلها قابلة للتعامل معها عن طريق تقنية Mashups (وهي تقنية تقوم على لغة تستمد المعلومات من أكثر من قاعدة بيانات لكنها تعمل على جمعها ضمن أداة عرض واحدة)؛ ومثالها مواقع مثل موقع دابر Dapper التسوقي، أو موقع تاكيلو Taqelo الذي يمكن اعتباره منظم عمل متطور قائم على التشبيك الموجه، أو بعض الصفحات الفرعية الخاصة داخل موقع ياهو ومنها ياهو بايبز Yahoo Pipes وهو موقع لتجميع الإفادات من الإنترنت بواسطة إعدادات يقوم بها المشترك في موقع ياهو. هذان الطريقان سوف يجعلان من المعلومات المتناثرة على الإنترنت صورة أخرى من المعلومات المعروضة بصورة منهجية متماسكة؛ ممهدة الطريق نحو منظومة حوسبة أكثر ذكاء (12). وهذا ما نراه أكبر القيم المعبرة عن حقيقة Web 3.0.

ج - الإنفوميديا والتقارب الإعلامي: منذ منتصف التسعينات والخبراء يتحدثون عن ثورة الاتصالات والمعلوماتية، وكان الجميع ينظر للإنترنت من طرف خفي باعتبارها صاحبة الفضل في شيوع حالة اليسر الاتصالية والوفرة المعلوماتية النسبية التي كانت آنذاك. ومع تطور الإنترنت بدأ الناس يتحدثون عن الإعلام الجديد ودلالاته وتداعياته على حياتنا. واليوم نتجاوز بحالة الإنفوميديا هاتين الحقبتين المجازيتين لندخل إلى حقبة جديدة يحدث فيها تقارب متسارع بصورة قوية في مجال البنية التحتية لوسائل الاتصال. لم يعد الأمر إذا محض تطور الإنترنت من النص إلى المالتيميديا، ولا انتقال من مرحلة الإعلام أحادي الاتجاه إلى الإعلام التفاعلي ذي الاتجاهين وباستخدام أدوات الصوت والصورة، بل صرنا نتحدث عن سيولة اتصالية بكل ما تعنيه كلمة سيولة من معنى، ناهيكم عما يعنيه هذا من وفرة معلوماتية (13).

قوام المرحلة التي نعيشها اليوم أنه لم تعد ثمة فوارق بين وسائل الإعلام ووسائل الاتصال. ولم يعد ثمة انفصال بين وسائل الاتصال. أما تماهي وسائل الإعلام والاتصال فيرجع إلى أن التليفزيون صار يستخدم للدردشة والاتصال، وهو ما يعرف بالتليفزيون التفاعلي. وبالعكس صار الهاتف يستخدم كوسيلة إعلامية عبر رسائل المالتيميديا وخدمة التليفزيون الجوال الذي غزت تطبيقاته العالم. غير أن ذلك رهن بالجيل الثالث من أجهزة الهاتف النقال (14).

وأما عن الخاصية الثانية للإنفوميديا فيرى الباحث وسام فؤاد أن قوامها عدم انفصال وسائل الاتصال/الإعلام أو انقطاعها عن بعضها. فالحاسوب اليوم يتصل بمنتهى اليسر بالتليفزيون والراديو والهاتف النقال والإنترنت. والتليفزيون به إمكانات التواصل مع الإنترنت، ويمكن تلاقي الناس عبره مع بعضهم حتى لو كان بعضهم يستخدم الإنترنت، أو يستخدم الهاتف النقال للدردشة النصية. كما يمكن تزويده بخواص الشبكات اللاسلكية المحدودة المغلقة، وبضغطة زر من حاسوبك يمكنك الاتصال بأي حاسوب أو جهاز اتصال أو تليفزيون موجود على سطح الكوكب ضمن خدمة دولية مضمونة بضوابط جودة (15).

ولا يقف الأمر عند هذه الحدود. فهذه الثورة الاتصالية وذلك التقارب بدأ يجد حضوره الإعلامي عبر قنوات تتسم جميعها بارتفاع درجة توفر المعلومات وتيسير بثها والحصول عليها، وارتفاع درجة التنافسية بين الوسائل الإعلامية المهنية وغير المهنية فيما يتعلق بالاقتراب من الحدث وفيما يخص الصدقية. وكل ذلك سنتلمس آثاره في حديثنا عن تداعيات هذه الثورة وذلك التقارب.

و – إطلالة خاصة على المواقع ثلاثية الأبعاد: تكاثرت المواقع التي تعتمد البيئة التقنية ثلاثية الأبعاد؛ متأثرة باتجاه جديد للوجود الافتراضي عبرت عنه حركة تسمى Cyberpunk Literary Movement والمتأثرة بصفة خاصة بتلك الرواية التي أنتجها نيل ستيفنسون المسماة تحطم الجليد Snow Crash والتي ألهمت أكثر من جهة للعمل في مجال المواقع المتخيلة ثلاثية الأبعاد، منها Second Life وDisney s Toontown. وهي ظاهرة تنمو باطراد (16). ويعد موقع Second Life أبرز المواقع المعبرة عن هذه الموجة، وهو ما يبرر الحديث عنه بصورة تعتبره أنموذجا لذلك العالم المتنامي.

إن تلك الإمبراطورية المسماة Second Life لا تعدو أن تكون عالما متخيلا تفاعليا مبنيا على تطبيقات الإنترنت، وقد طورته شركة ليندون لاب Linden Research, Inc وأطلقته في عام 2003، وسلطت وسائل الإعلام الضوء عليه في أواخر عام 2006 مع قيام وكالة رويترز للإعلام بافتتاح مكتب لها هناك بعد أن لاحظت درجة الاهتمام الفعلية به متمثلة في أعداد أعضائه ومقدار ما ينفقون فيه من أموال. وقد كان هدف شركة ليندون لاب أن تقوم بإنتاج بيئة تماثل تلك البيئة التي رسم نيل ستيفنسون ملامحها في روايته التي أشرنا إليها سلفا. تلك البيئة يتحقق الرابط بينها وبين مستخدم الشبكة من خلال برنامج وكيل يوصل المستخدم بالموقع. ويعمل موقع Second Life - وأمثاله من المواقع التخيلية - عن طريق مثل تلك البرامج التي تسمى برامج وكيلة Client Programs يتم تنصيبها في أجهزة الحاسوب؛ فتتيح لمستخدمه دخول هذا العالم، ومن ثم اختيار شكل إنساني كامل يعبر عنه أو عن أحلامه؛ ليبدأ بعدها في ممارسة النشاط الاجتماعي (إعلامي – سياسي – ثقافي – اقتصادي.. إلخ) الذي من أجله دخل هذا العالم، ويقيم شبكة علاقات اجتماعية جديدة قد تحاكي أو تخالف شبكة علاقاته في العالم الحقيقي. ويوجد بهذا الموقع عملة افتراضية تمسى "دولار ليندون"، ويمكن مقايضتها بكل العملات العالمية من الأسواق المختلفة وبخاصة في الأسواق الأمريكية والأوربية التي يمثل سكانها الغالبية الساحقة من المشتركين في Second Life والمقيمين به (17). والطريف أن الأسبوع الأخير من أكتوبر 2007 شهد شراء شبكة CNN مكتبا لها هناك ينتظر افتتاحه بحلول الخامس من نوفمبر 2007 (18).

وينظر البعض لموقع Second Life باعتباره لعبة، لكن تلك التسمية مخادعة. فهذا الموقع ليس به نقاط يجري اكتسابها وليس به أرقام تسجيل المكاسب Scores، وليس به رابحون وخاسرون، وليس مستويات للعب، ولا يتضمن إستراتيجية لعب، ولا يتضمن أي من الخصائص التي تميز مفهوم اللعبة Game بتطبيقاتها ونظرياتها المختلفة (19).

ووفقا لإحصاء موقع Second Life؛ فإن إجمالي المقيمين بعالم Second Life بلغ في 31 أكتوبر 2007، حوالي 10 مليون و600 ألف مقيما، يتواجد منهم على مدار الساعة ما متوسطه 8000 مقيما. وبلغ حجم التعاملات الآنية في هذا الموقع حوالي 3,567,766,213 دولارا ليندونيا، وقد صار لهذه العملة بورصة خاصة على الموقع تتيح البيع والشراء. وهو ما يعكس حجم الإقبال على هذا الموقع وحجم الجدية التي يتمتع بها حضوره اقتصاديا (20).


ثانيا: ما بعد التدوين.. المفهوم والدلالات

مصطلح ما بعد التدوين هو مصطلح صكه الباحث للتعبير عن مرحلة جديدة على صعيدين اثنين، نجملهما تاليا:

أ – هي تعبير عن تطور نوعي حدث في المساحة التعبيرية التي صارت متاحة لكل مستخدمي الإنترنت بعد التطورات التي حدثت في مجال البنية التحتية للإنترنت.

ب – هي أيضا تعبير عن تطور جديد في مجال العمل الإعلامي في علاقته ببيئته الاجتماعية.

ولكي نتعرف على ملامح ما بعد التدوين لابد لنا من الوقوف على طبيعة البيئة الإعلامية التي أنتجتها تلك التطورات في مجال البنية التحتية للإنترنت، وذلك في السطور القادمة.

بداية لابد لنا من التمييز تحليليا ما بين ذلك الشق من الإنترنت المبني على أن الإنترنت وسطا أو بيئة؛ وذلك الشق الذي تكون فيه الإنترنت وسيطا إعلاميا. فقد حدث تطور في كل شق على حده، إلا أن التطورات الأخيرة جعلت الحالة الإعلامية المتخصصة تخلط بين الشقين، فيما يمكن تسميته بتجديد أدوار الوسيط الإعلامي النهائي المسمى بالإنترنت في ثوبها الجديد. فمهما كنا نتحدث عن Web 2.0 أو Web 3.0 فإننا في النهاية نتحدث عن تلك الوسيلة الاتصالية والتواصلية التي تطورت خلال السنوات العشرين الأخيرة من مجرد وسيط نشر متجاوز للحدود وحتى كونه وسيلة تواصل فعالة إلى جانب كونه وسيلة اتصال. وهو ما يرشحها لتكون بيئة الاتصال والتواصل المثلى التي تسعى كل سبل الاتصال أو التواصل لمحاكاة بيئتها والتطور باتجاهها؛ لتصير الإنترنت في النهاية هدف التليفزيون والهاتف الجوال والمساعدات الشخصية بالإضافة للحواسيب بأشكالها المختلفة المحمولة والثابتة.

غير أننا عندما نتعامل مع هذه التغيرات المفاهيمية يصعب علينا أن نفصل في تأثيراتها بين ما تنتجه من تداعيات على صعيد الإنترنت كوسط والإنترنت كوسيط، ومع ذلك؛ فلابد من الوعي بالفارق بين المستويين لأنه سيكون جليا وواضحا في بعض المساحات التي سيشتبك فيها الشقان.

ولا شك في أن التداعيات الحادثة جللة، وأن الإحاطة بها في مقام كهذا المقام وورقة كهذه الورقة سيكون صعبا لا محالة. والعزاء أن تحاول الورقة تقديم ما يقع في منظور القائمين عليها موقع الأهمية الظرفية ذات الأولوية. وفيما يلي نعرض لتداعيات هذه التغيرات.

أ – إعلام متعدد الاتجاهات: سبق وأشرنا إلى أن ما بعد التفاعلية كخاصية لحقبة الإنترنت الجديدة قد نقلت زوار الإنترنت من حقبة استهلاك المحتوى الإعلامي إلى حالة إنتاج هذا المحتوى (22). ويشير تقرير نادي دبي للصحافة إلى أن من أم تلك التغيرات تحول نمط التدفق الإعلامي من نمط تدفق في اتجاه واحد One to Many إلى نمط تدفق متعدد الاتجاهات Many to Many، واعتبره نمطا جديدا يضاف إلى أنماط التوزيع التقليدية، وإلى نمط التوزيع حسب الطلب الذي جرى تقديمه مؤخرا. ويرى التقرير أن نمط التوزيع الجديد يسمح بتوزيع كل من المحتوى المهني (الذي تمثل قضية حقوق الملكية الفكرية قضية حيوية بالنسبة له) بالإضافة إلى ذلك المحتوى الصادر عن المستخدمين والذي يتراوح إنتاجه ما بين النص العفوي وتقنية الفيديو الصادرة عن كاميرا رقمية رخيصة الثمن (23).

وبمعنى آخر، فإن ملايين المدونات؛ بتلك اللغات المتباينة المتعددة، بما تحويه من محتوى نصي أو صوتي أو محتوى فيديو أضيفت لمساحة المحتوى الذي يتعرض له مستخدم الإنترنت يوميا، ولم يعد الأمر قاصرا على تلك المواقع الرسمية أو تلك المواقع التي تعبر عن مؤسسات إعلامية صار لها اتجاه محدد وموجه لا تحيد عنه.

ولابد من التأكيد على أن الاتجاه لتحويل الإنترنت لنمط قواعد بيانات يستند لسيرفرات ضخمة ورخيصة التكلفة، مع تطور الآليات الاقتصادية لاستثمار مثل هذا الوضع New Business Models قد جعل ثمة إمكانية لأي فرد أو جماعة بشرية أن يقوموا بنقل الأخبار والمعلومات التي يراد لها التعتيم، بل ويقدموها معززة بأدلة صوتية وفيديوية تكسبها المصداقية، وتصنع بمرور الأيام اسما تجاريا مشهورا Branding Name يكون له درجة عالية من المصداقية التي تزاحم مصداقية المؤسسات الإعلامية المهنية.

ولا شك في أن هذا يعني فيما يعني أيضا تحول المستقبل الإعلامي تاريخيا باتجاه الإنترنت باعتبارها الوسيلة التي تقدم منافذ إعلامية ذات قدرة على الاستمرار والصمود، مع رخص التكلفة من ناحية ثانية، وارتفاع الإمكانيات من ناحية ثالثة.

ب – مفهوم المواطن الصحافي: وقد ارتبط بتلك المرحلة ما عرفه المراقبون والمتخصصون باسم صحافة المواطن؛ ويعرف أيضا باسم Public or Participatory Journalism هو دور يؤديه المواطن الذي يلعب دورا فعالا في عملية جمع وتصنيف وتحليل وصياغة المعلومات والأخبار. ووفقا لتقرير We Media نصف السنوي الذي يصدره مركز الإعلام Media Center التابع للمعهد الأمريكي للصحافة The American Press Institute، فالمفهوم يعني تلك الكيفية التي يصوغ بها الجمهور مستقبل تداول الأخبار والمعلومات. وقد أعد كل من شين بومان وكريس ويليس دراسة ضمن تقرير النصف الأول من عام 2003 يرون فيها أن الغرض من هذه المشاركة الإعلامية توفير تلك المعلومات المستقلة والدقيقة التي تحتاجها الديمقراطية فيما يتعلق ببحث القضايا التي تحتاج توفر معلومات ذات صلة ويمكن الاعتماد عليها (24). وهذا المصطلح لا يجب الخلط بينه وبين مصطلح الصحافة المدنية، تلك التي يقوم بها الصحافيون المحترفون. صحافة المواطن هي جزء من محدد من مفهوم إعلام المواطن citizen media مثله في ذلك مثل مصطلح المحتوى الذي يبتكره المواطن (25).

وقد صنفت الباحثة الإعلامية جيه دي لاسيكا المحتوى الذي يقدمه المواطن الصحافي إلى 6 فئات تتمثل فيما يلي (26):

* مشاركة الجمهور المتلقي (مثل تلك التعليقات التي يكتبها المواطن استجابة للقصص الإخبارية، والمدونات الشخصية، وتلك الصور محدودة الكفاءة التي التقطها الأشخاص بكاميرات هواتفهم الجوالة، وتلك الأخبار المحلية التي يكتبها شخص مقيم ضمن مجتمع ما من المجتمعات).
* المواقع الإخبارية والمعلوماتية المستقلة (مثل تقارير المستهلكين أو تقارير السخرة في العمل Drudge Report).
* المواقع الإخبارية ذات المعالجة الناضجة (مثل موقع OhmyNews International).
* المواقع الإعلامية التي يشترك أصحابها في إنتاج محتواها أو تطوعوا لإنتاجه Collaborative and contributory media sites.
* الأنواع المختلفة من الإعلام الارتجالي أو المسمى Thin Media (المجموعات البريدية والنشرات الإخبارية).
* المواقع الإذاعية الشخصية.

هذا التحدي ذو طابع إعلامي وليس تقنيا. ويمكن اعتباره نوع من تنامي البنية الفوقية الإعلامية المترتب على تلك التطورات التي حدثت في مجال البنية التحتية المرتبطة بالإنترنت، مثل Web 2.0 وWeb 3.0.

ج - إعلام نمط الحياة: في إطار الحديث عن Web 2.0 أشار تقرير مؤسسة برايس ووترهاوس إلى نمط جديد من الأنماط الإعلامية المتمثلة في "إعلام نمط الحياة" أو Lifestyle Media. لتشير به إلى موجة جديدة من أنماط الإعلام تعبر عن الخبرة الإعلامية الشخصية ضمن سياق اجتماعي. ويشير تقرير نادي دبي للصحافة لعام 2006 إلى أن المستخدمين الإعلاميين النافذين الذين يتفاعلون مع الشبكات الاجتماعية على Web 2.0 يطلبون منتجات إعلامية تسمح لهم بزيادة القيمة المستفادة من المحتوى الإعلامي المتنوع ضمن وقت الفراغ المحدود المتاح لديهم (27).

فمرتادو الشبكات الاجتماعية المختلفة والمتعددة لهم مشارب واهتمامات مختلفة، وبعضهم يرى أن هذه الاهتمامات لا تجد لها التغطية الكافية التي تلبي كافة احتياجاتهم كافة الأنشطة التي يقومون بها وكافة المساحات الموضوعية التي يهتمون بها، وهو ما يدفعهم لتقديم محتوى يخصهم وحدهم، وربما يمكنهم نقله لغيرهم.

ويوضح الخبراء أن هذا النمط من الأنماط الإعلامية وفق هذا التوضيح عاليه يتسم بسمتين هامتين تتمثل أولاهما في أن هذا النمط يعطي المستخدم القدرة على اكتشاف أو تقديم محتوى جديد، وتتمثل ثانيتهما في أن هذا النمط يتيح للمستخدمين اختيار كيفية توزيع هذا المحتوى (28). فهذه النشاطات الخاصة بالمستخدمين – سواء أكانوا مجموعة علماء أم مجموعة من الساسة أصحاب وجهات النظر الجديدة موضع التضييق أو كانوا مجرد جماعة رفاق (شلة) - تقدم لهم خيارات جديدة تندرج ضمن دائرة اهتماماتهم وتمكنهم من تحديد طريقة قضاء الوقت المحدود المتاح لديهم.

د - تراجع إمكانيات التعتيم: سبق أن أشرنا لمدى تأثير المرحلة ما بعد التفاعلية على الإنترنت كوسيط إعلامي وما ارتبط به من توسيع نطاق إنتاج المحتوى الإعلامي. والقيمة المضافة الجديدة في هذه المساحة أن إمكانيات التعتيم على هذا المحتوى صارت بعيدة المنال.

فمن ناحية، يمكن القول بأن اندراج الإصدارات الإعلامية الجديدة تحت اسم نطاق لا صلة له باسم نطاق خاص باتجاه أو تيار يجعل من المستحيل منع أو حجب هذه الإصدارة الإعلامية من دون التأثر بالتعامل مع الموقع الكبير الذي جعلت أنظمة التكويد فيه هذه المهمة أقرب للاستحالة العملية. ويمكن القول بأن خبرة التعاطي الأمني مع ظاهرة الإرهاب الخطيرة كشفت عمق هذه الأزمة حيث انتقلت المواجهة من جهة حظر المواقع إلى مساحة أخرى من الصعب فيها مواجهة الأمر بسبب انتقاله إلى مساحات المواجهة عبر قنوات المدونات من جهة وقنوات استضافة الفيديو الرقمي (29).

ومن ناحية ثانية، فإن الجيل الجديد من المدونات على سبيل المثال يستوعب تقنية تصدير واستيراد المحتوى (30)، بما يعني أن منع موقع ما من مواقع المدونات سيعني إمكان انتقال هذه المدونة بنفس محتواها القديم إلى موقع آخر بضغطة زر. وهو ما يقف حائلا دون إمكانية المنع أو الحجب. وهذه الإمكانات تستند لمنطق تحويل الإنترنت إلى قاعدة بيانات وهو ما ألمح إليه الخبراء في الحديث عن Web 3.0.

ومن ناحية ثالثة، فإن تحول الإنترنت باتجاه قواعد البيانات سيجعل من الصعوبة بمكان السيطرة على المحتوى الخاص بها، وبخاصة مع تزايد الاتجاه نحو إنتاج التطبيقات التي تعتمد لغة MashUps التي تجمع البيانات المخزنة بصورة مستقلة لكنها تدمجها مع بعضها البعض في آليات عرض قائمة على ما يقارب مناهج نظم الخبرة المعروفة في تصنيف وعرض البيانات (31).

هـ – المستقبل الإعلامي بين المنافسة والصدقية: دخلت ظواهر إعلامية جديدة حيز المنافسة مع وسائل الإعلام قاطبة بصفة عامة، ومع البث الذي تبثه القنوات الفضائية وشبكات الكابل، وكذلك تلك المواقع الإذاعية الشهيرة الموجودة أونلاين، بالإضافة لمواقع الصحف البارز أونلاين. وأبرز مساحات المنافسة تلك ما نراه من المدونات والمساحات الخاصة التي توفرها المواقع الكبرى مثل My Space وGoogle وYahoo، ويضاف إليها محطات إذاعات الإنترنت الخاصة والمحدودة التي يمكنها بواسطة برنامج صغير مثل Jet Audio أو غيره أن توفر بثا منتظما بمجرد توفر القدرة على استئجار مساحة محدودة على سيرفر، بالإضافة لمواقع بث الفيديو التي بدأت تشتهر وتكثر مثل You Tube أو MetaCafe وغيرها، بالإضافة إلى ظاهرة المنتديات، فضلا عن استمرار الشكل البدائي لما بعد التفاعلية المتمثل في القوائم البريدية والمواقع المجانية (32). هذه الصور التنافسية الجديدة بدأت تحد من درجة مصداقية البث الفصائلي المتحزب أونلاين، وتوفر سبل هز هذه المصداقية من خلال وسائل ملموسة من المحتوى الإعلامي تصل لدرجة التوثيق المرئي عبر تقنيات الفيديو؛ بما في ذلك التقنيات الرخيصة.

وفي المقدمة المفاهيمية تعرضنا لمفهوم الإنفوميديا وما أنتجه من تقارب بين وسائل الاتصال المختلفة، وهو ما أعطى لوسائل الاتصال غير الإعلامي كالهواتف الجوالة أدوارا إعلامية. ففي الجيل الثالث من الهواتف المحمولة هناك مجموعة من البرامج التي تتيح لصاحب الهاتف الجوال أن يكون وسط الأحداث فيقوم بتصوير مجموعة من مشاهد الفيديو أو الوثائق أو الصور؛ ثم ينقلها بضغطة زر إلى مدونته الموجودة على الإنترنت ليراها الناس لحظة حدوثها (33). وهذه التقنية ليست بدعا من أصحاب شركات الهواتف الجوالة، بل تم هذا بالتنسيق ما بين شركات إنتاج الهواتف الجوالة وشركات إنتاج التطبيقات الحاسوبية والشركات الراعية لبعض مواقع المدونات بحيث تتيح بعض مواقع المدونات للمشتركين أصحاب المدونات أن يجروا بعض الإعدادات الخاصة لمدوناتهم لتزويدها عبر الهواتف النقالة (34).

6 - تطور خريطة تدفق العمل الصحافي: يمكن القول بان عملية التحرير الصحافي في المؤسسات الصحافية الورقية أو الإليكترونية كانت تتم وفق المتسلسلة التالية (35):

* التخطيط لتغطية الخبر (المتوقع والمتابع) أما المفاجئ فلا يخطط له، ويتم ذلك من خلال تحديد محاور الخبر ونقاطه الرئيسية، وجمع الخلفيات المتعلقة به من قسم المعلومات أو من أرشيف المحرر الصحفي الخاص به.
* جمع المعلومات من المصادر المختلفة البشرية والوثائقية.
* التقاط الصور الفوتوغرافية المناسبة للخبر بواسطة المحرر أو المصور الصحفي.
* مراجعة المادة الصحفية المكتوبة والمصورة واستكمالها، ووضع خلفيات للحدث يمكن من خلال الضغط على كلمة معينة داخل النص استدعاء مواد أخرى ذات صلة بالخبر المنشور وذلك حال الصحف الإلكترونية.
* تقييم المادة الصحفية المكتوبة والمصورة وتحديد صلاحيتها للنشر بواسطة المحرر المسئول، أو غيره حسب خط سير النص الصحفي داخل الوسيلة المعنية بالنشر.
* تجهيز الرسوم اليدوية التعبيرية والتوضيحية والساخرة التي سوف تصاحب الموضوعات أو تنشر بمفردها.
* اختيار البناء الفني للنص الصحفي: أي تحديد شكل المادة الإخبارية المخطط لنشرها (مقال – تحقيق- خبر – حوار- تقرير- فلاش – بانر- ساحة حوار).
* التحرير النهائي للنص الصحفي.
* المراجعة النهائية للنص الصحفي المحرر.
* التقييم النهائي وتحديد أولويات النشر.

غير أن تغير الأنماط الإعلامية جعل هذه المراحل الخاصة بالعمل الإعلامي المهني الكلاسيكي تقليدا مهنيا ربما لن يصمد كثيرا أمام المتغيرات الإعلامية المرتبطة بضرورة ملاحقة الحدث أونلاين. وقد سبق أن أشرنا إلى أنماط الإنتاج الإعلامي الخاصة بمفهوم المواطن الصحافي، والتي يمكن الإشارة إليها سريعا فيما يلي (36):

* مشاركة الجمهور المتلقي.
* المواقع الإخبارية والمعلوماتية المستقلة.
* المواقع الإخبارية المتخصصة ذات المعالجة الناضجة.
* المواقع الإعلامية التي تشارك أصحابها في إنتاج محتواها أو تطوعوا لإنتاجه.
* الأنواع المختلفة من الإعلام الارتجالي أو المسمى Thin Media (المجموعات البريدية والنشرات الإخبارية).
* المواقع الإذاعية الشخصية.

ويختلف إنتاج المحتوى من وسيلة لأخرى من هذه الوسائل. ولا شك في أن المواقع الأكثر نضجا في إنتاج محتواها الإعلامي قد توكل عملية إنتاج هذا المحتوى لمتطوع ذو خبرة يقترب كثيرا من هذه التقاليد، وربما كان بعض المواقع المندرجة تحت لافتة غير ناضجة يصدره من له خبرة بالعمل الصحافي مثل كثيرا من المدونات العربية التي يصدرها صحافيون ينشرون بها ما لا يجد طريقه للنشر بالصحف العادية (37).

غير أن اعتبار العفوية غالبا ما يكون مهيمنا على العمل المندرج تحت مفهوم صحافة المواطن، ولكنه مع ذلك يحوز على مصداقية عالية (38). ولعل درجة الإقبال العالية على مدونة مثل مدونة الوعي المصري، وحصول صاحبها وائل عباس على جائزة عن مجمل أعماله لكشف الفساد خلال عام 2005 - 2006 من "المنظمة الأفرومصرية لحقوق الإنسان"، بالإضافة لفوزه بجائزة "نايت الدولية للصحافة" لعام 2007 يمثلان مؤشرا على درجة الصدقية التي يتعامل بها الزوار مع مثل هذه المدونة (39).

غير أن نموذج صفحة عيون المشاهد الذي تقدمه شبكة إسلام أونلاين يمثل درجة وسطى بين تقاليد العمل الصحافي وبين العفوية الصادرة عن المواطن الصحافي بتجليه الحقيقي. فهذه الصفحة تعمل بفلسفة تقوم على صنع ملفات مختلفة تقوم في إطارها باستقبال مساهمات زوار الموقع في صورة ملفات نصية مزودة بصور فوتوغرافية، حيث يتولى المحرر المسؤول بالصفحة انتقاء الصور وتحرير النص ليليق بالنشر في صفحة تتبع موقع إسلام أونلاين. وقد لاقت الصفحة نجاحا كبيرا آذن باتجاهها لتصبح موقعا مستقلا في الأمد القريب. كما تتجه الصفحة لتدريب المتميزين من زوارها عبر استثمار تقنية التدريب الإليكتروني التي يبرز فيها موقع إسلام أونلاين كأحد المواقع الرائدة في مجال التدريب الإليكتروني (40).

7 - وفرة المحتوى وسيولته: كما سبق ورأينا، في عرض أليكس إيسكولد، فإن مقدار المعلومات المخزنة على الإنترنت صار يقدر بالتيرابايت وليس بالجيجابايت، وهذا قدر ضخم جدا من البيانات (41). ولنا أن ننظر إلى الفلسفة الإعلامية التي تحكم العالم الإعلامي الذي نقبل عليه والذي سيدلنا على أن حجم المعلومات التي ننتظرها في المستقبل سيكون فلكيا بالنظر إلى الاتجاه نحو تحويل كل مستخدمي الإنترنت إلى منتجين للمحتوى الاتصالي، ولنا أن نتخيل تنوع هذا الكم ما بين محتوى معلوماتي سياسي أو اقتصادي أو اجتماعي أو ثقافي ديني وغير ديني، بالإضافة للمحتوى المعبر عن النشاط الاقتصادي التجاري والتسويقي والدعائي غير المعلوماتي، ويمكننا أن نضيف إليه الجانب الترفيهي الهائل؛ سواء منه ما كان مجانيا أو اقتصاديا. هذه المؤشرات تدلنا على حالة قوية من حالات السيولة التي تنتظرنا، والتي سيكون فيها من العبث الاستمرار في إنتاج المعلومات بدون التوقف للحظات لتقويم هذا المحتوى، وتصنيفه، والابتكار في الخدمات المتعلقة بالانتقاء منه، وإنتاج ما يراعي مواءمات هذا المحتوى للاحتياجات الفردية.

إن ما ستقودنا إليه تلك التطورات الحادثة في مساحة Web 3.0 أن نقيم أداء المواقع الإعلامية المختلفة في سياق ما تقدمه لنا من خدمات تيسير الحصول على المحتوى الذي نريد. وهذه النوعية من الخدمات هي التي ميزت محرك بحث جوجل Google في مجال البحث عن النصوص عن غيره من محركات البحث القوية، كما ميزت محرك البحث الخاص بموقع Yahoo وAll The Web فيما يتعلق بالبحث عن ملفات المالتيميديا. وفي هذا الإطار تظهر مواقع تتقدم في ترتيبها بسبب ما توفره من خدمة الفرز والانتقاء والتجميع مع تقديم خاصية تتعلق بلياقة المحتوى للفرد، ومنها ما أشار إليه الباحث أليكس إيسكولد من مواقع مثل Del.icio.us. ويمكن في هذا الإطار طرح خبرة صفحة "أجندة الفعاليات" التي تقدمها شبكة إسلام أونلاين في محاولة منها لإنقاذ الفعاليات المبثوثة أونلاين من أن تتوه في خضم هذا الكم الهائل من السيولة المعلوماتية. وسوف يكون لنا وقفة مع هذه الصفحة لاحقا. فمثل هذه الخدمات ستكون مهمة ومميزة للمواقع التي تقدم خدمات في مجال الإعلام الإليكتروني، ولا يمكنها أن تتجاهلها.

ولا شك في أن من بين المهام الأساسية التي يمكن في إطارها ضبط هذه السيولة حدوث تقدم نوعي في مجال الفهرسة الإليكترونية المسماة Folksonomy والتي تمثل اليوم عمودا فقاريا لجهود فهرسة وتجميع المواد المتناظرة والمتشابهة بسبيل تحقيق مزيد من توثيق وتنظيم المحتوى وتصنيفه بما يتيح للتطبيقات الحاسوبية أن تقوم بوظيفة التصنيف والانتقاء وتجويد عرض النفائس المخبأة (42).

8 – تطور الأدوار الاجتماعية للوسيلة الإعلامية: بالنظر لأنموذج إعلام نمط الحياة الذي أوردناه سلفا، يمكننا الإشارة لدرجة من التبدل يصيب أدوار المؤسسات الإعلامية، أو ربما هو نوع من التطور يصيب المؤسسات العاملة في مجال التنمية، بحيث يصبح لهذه المؤسسات جملة من الأدوار التي يتضافر فيها نمط العمل الإعلامي الموجه مع نمط التشبيك الاجتماعي التنموي. أو ربما تنشأ جماعة يكون لها هدفا تنمويا لكنها تتخذ الإعلام مدخلا لتعبئة الجمهور المحتمل خلف قضيتهم مهما دق حجمها.

وكان أحد الباحثين المشاركين بهذه الدراسة قد أجرى بحثا حول الجيل الثالث من المنتديات، مشيرا إلى خاصية مهمة لهذا الجيل تتمثل في المحدودية الجغرافية التي يعبر عنها هذا الجيل مع اهتمامه بقضايا تنموية بالغة الصغر تتعلق بالتوعية البيئية من قبيل قضايا كالنظافة والتنبيه لبعض الأخطار التي تنشأ في المنطقة التي تعبر عنها هذه المنتديات (43).

9 – إثراء الدراسات الإعلامية: بالنظر إلى أدبيات علوم الإعلام التي غالبا ما تكون فيها الأدبيات النظرية تبعا لتطور واستقرار العمل بالوسائل الإعلامية، فإن من المرتقب أن تسفر تلك التطورات عن حزمة جديدة من الاهتمام البحثي والأكاديمي بالنشاط الإعلامي أونلاين بصورة خاصة وفي أوساط الإنفوميديا بصفة عامة، وذلك في محاولة لاستكشاف قيم إعلامية جديدة ضمن هذا التدفق الإعلامي الوافر، أو محاولة ضبط هذا المنتج ببعض القواعد التي تزيد من "مهننته" Profissionalization وحرفيته؛ ومن ثم فاعليته وتأثيره.

10 – ما بعد التدوين: المحصلة الرئيسية التي رأيناها من استعراض مجمل المقدمات السابقة تتمثل في حدوث طفرة على صعيدين:

* الصعيد الأول يتمثل في التنامي الكيفي للمساحة التعبيرية التي أتاحتها الإنترنت الجديدة لمستخدمها. ويمكننا في هذا الإطار أن نتحدث عن تلك السعة الهائلة في الإمكانيات التي أعطيت لمفهوم المواطن الصحافي.

فإبان فكرة مفهوم المواطن الصحافي. كانت انعكاسات فكرة مفهوم المواطن الصحافي وفيرة لكنها لم تزل محدودة في حيز النص المكتوب، مع بعض الإمكانيات الخاصة بمساحة صغيرة للفيديو مع مساحة معينة للتصوير، يمكن القول بأن إمكانات الإنفوميديا قد أنمتها عبر آليات مثل Mobile Bloging. أما ما يحدث الآن من طفرة فيمكن أن يتجاوز واقع التدوين لصالح بناء منظومة قوية تتيح الاستفادة من خدمات الشبكة المختلفة، بحيث يمكن لمدونة صغيرة أن تستورد عدد كبير ذو وزن ضخم من أفلام الفيديو وملفات الصوت من تلك المواقع التي توفر خدمة استضافة هذه النوعية من الملفات مثل You Tube أو Foto Log، بحيث لم يعد ما لدينا من إمكانات هو نص يصحبه فيلم فيديو أو عدة صور مع إمكانية إرفاق هذا كله باستطلاع رأي محدود، بل صار لدينا حيز من تطبيقات الويب التي تستوعب بالإضافة لكل ما سبق إمكانية أن يضيف مطورو البرامج Web Developers عدد غير حصري من تطبيقات الويب الخفيفة ذات الصبغة الوظيفية التي تحتاج إليها الأعمال الإعلامية ذات الأهداف الاجتماعية.

ويمكن أن نختلس النظر إلى إمكانية متاحة الآن على شبكة الإنترنت تتمثل في موقع Face Book. فهذا الموقع يوفر إمكانيات نصية غير محدودة لزواره، مع إمكانية استضافة فيديو من أي موقع يستضيف الفيديو مجانا، أو أي موقع يستضيف أي من ملفات الصوت والصورة والفلاش. ولا يقف الأمر عند هذا الحد، بل نجد مزيدات برامجية غير محدودة، سواء اكانت بتقنية MashUps أو تقنية APIs ذات وظائف ترفيهية وتواصلية مختلفة.

وقد يظن البعض أن ما نتصوره من إمكانيات قد يقتصر على مواقع Face Book أو HI5 أو غيرها من مواقع Social Web. لكن هذا ليس صحيحا. هذه البرامج متوفرة من خلال موارد برمجية مفتوحة Open Sources، ويمكن تطويرها لاستيعاب وظائف جديدة ومحددة. بل إن موقع مثل Face Book – كما سبق ورأينا - يجد دعما غير محدود من أولئك المهتمين بالمصادر البرمجية المفتوحة ومطوريها.

والمصدر الثاني من مصادر قوة هذا الجيل من مساحة الاتصال والتواصل (21) يتمثل في إمكانية التشبيك العالية التي يتيحها، فهي تطبيقات ويب تعمل وفق منظومة WiKi التي تتيح أكثر من منفذ إدخال المحتوى، وتتيح إمكانيات التشارك في هذا المحتوى، سواء أكان التشارك مطلقا أم مقيدا. ولا يوجد سقف للتشارك، كما لا يوجد سقف لأشكال التشارك. فهناك الجيل الثاني من المجموعات البريدية، بالإضافة لإمكانيات استعراض العدد غير المحدود من المتشاركين لعدد غير محدود من مواد المحتوى. وكل ما تتطلبه فاعلية هذه الحالة التشبيكية القوية إيمان أحد أعضاء هذه الحالة بفكرة، ثم إقناع الناس بها ليبدأ تداولها في إطار تشبيكي.

* والصعيد الثاني يتمثل في تطور مجال العمل الإعلامي نفسه، ليصير بإمكاننا التحدث عن مرحلة جديدة من الإعلام الإليكتروني المنتمي. لقد رأينا من قبل تصنيفا للإعلام ما بين إعلام إخباري محترف وإعلام موجه، وهذا الصنف الثاني هو الذي نميل لتسميته بالإعلام المنتمي. والحالة التي نتصورها لمستقبل الإعلام على الإنترنت أنه سيتحول إلى وحدات صغيرة من الإعلام المنتمي، حيث لا يصير الإعلام الأساسي لمستخدم الإنترنت هو ذلك الذي يعرض الخبر أو المعلومة المتخصصة، بل سيصير الإعلام الأساسي بالنسبة لمستخدم المستخدم هو ذلك الإعلام الذي سيتلقاه عبر مجموعته الخاصة أو الـ Community الخاص به، وهي صورة ستكون قريبة لما نعرفه اليوم باسم إعلام نمط الحياة، حيث سيتحول كل شكل من أشكال الإعلام المنتمي إلى بناء المجتمع الخاص به، وبذلك يملك القدرة على الحشد والتعبير والتجييش لأجل الفكرة التي يؤمن بها.

وترجيحي إن ذلك الفتح في الموجة الجديدة من الإعلام الإنترنتي المنتمي سيكون من نصيب القطاع غير الحكومي بصورة أساسية، حيث ستلجأ إليه كل أطروحات التنمية المختلفة التي ستكون دوما في حاجة لبناء تجمع شبكي خاص بها لكسب التأييد عبر بنائها مجتمعها الخاص، ومن ثم تحقيق طموحاتها.

إن مثل هذه الحالة التي عرضناها يمكن أن تعتمد مبدئيا على المواقع المتاحة مثل Face Book أو My Space أو Hi5 أو غيرها من مواقع تطبيقات الويب التشاركية، لكنها أيضا يمكن أن تقوم على توظيف خاص لبعض المصادر المفتوحة من هذه البرامج وتطويرها. والميزة في البرامج المتاحة التي أشرنا إليها أنها مدعوة بمساحة تخزين هائلة متوفرة على الخادمات التي تستأجرها لا يمكن توفيرها لغيرها من المواقع الخاصة، كما أنها مواقع صعبة الحجب، ويمكن تبديلها في حال تعرضها للحجب بمواقع غيرها. لكن ربما تفضي التطورات التقنية الهائلة المتلاحقة إلى إنتاج واقع تقني جديد ترخص فيه مساحات السيرفرات المستأجرة، كما أفضت لتعذر عملية حجب بعض المواقع.

========
الإحالات المرجعية:
1 - Middle East & North Africa Statistics, Internet World Stats.
2 - Alex Simonelis, Histories of the Internet, Internet Society International Secretariat WebSite: ISOC, 28-Nov-2006.
3 - المرجع السابق.
4 - Wikipedia, the free encyclopedia: World Wide Web.
5 - موسوعة ويكيبيديا الحرة، مادة: ما بعد التفاعلية.
6 - Wikipedia, the free Encyclopedia: Web 2.0.
7 - William Brister, Web 2.0, EZine Articles web Magazine.
8 - Wikipedia, the free encyclopedia: Web 2.0.
9 - Michael Copeland Weaving the Semantic Web, Business2.com, July 3, 2007.
10 - Wikipedia, the free encyclopedia: Web 3.0.
11 - Heather Green A Web That Thinks Like You, Businessweek.com, July 9, 2007.
12 - Alex Iskold, Web 3.0: When Web Sites Become Web Services, Read/Write Web 19/03/2007.
13 - موسوعة ويكيبيديا الحرة: مادة الإنفوميديا.
14 - وحدة البحوث والتطوير بشبكة إسلام أونلاين، التطور في البنية التحتية للإنفوميديا، عدد مارس 2007، تقرير دوري غير منشور، ص: 12.
15 - المرجع السابق، ص ص: 13 – 14.
16 - Wikipedia, the free encyclopedia: Second Life.
17 - Wikipedia, the free encyclopedia: Second Life.
18 - Mike Shields, CNN Goes Virtual, MediaWeek, 29/10/2007.
19 - Wikipedia, the free encyclopedia: Second Life.
20 - Second Life Economic Statistics.
21 - مصطلح التقطه الباحث من مقابلة علمية أجراها مع الأستاذ توفيق غانم المدير العام لشركة ميديا إنترناشيونال صاحبة امتياز مشروع إسلام أونلاين.
22 - موسوعة ويكيبيديا الحرة، مادة ما بعد التفاعلية.
23 - تقرير نادي دبي للصحافة لعام 2006، ص: 20.
24 - Bowman, S. and Willis, C. "We Media: How Audiences are Shaping the Future of News and Information." 2003, The Media Center at the American Press Institute.
25 - Wikipedia, the free encyclopedia: Citizen Journalism.
26 - Lasica, J. D. "What is Participatory Journalism?" August 7, 2003, Online Journalism Review, August 7, 2003.
27 - تقرير نادي دبي للصحافة، عام 2006، ص: 23.
28 - المرجع السابق، ص ص: 23 – 24.
29 - يمكن على سبيل المثال مراجعة كم الفيديو المرتبط بأسامة بن لادن على موقع You Tube للتدليل على حجم هذه القضية، بالإضافة للمدونات الخاصة بالجماعات المنشقة المختلفة في الغرب ومن بينها الجيش الجمهوري الأيرلندي ومنظمة الباسك.
30 - يمكن في هذا الإطار مراجعة إمكانيات موقع المدونات البازغ Taking It Global التي تتيح مثل هذه الخدمة.
31 - Alex Iskold, Web 3.0: When Web Sites Become Web Services, Read/Write Web 19/03/2007.
32 - موسوعة ويكيبيديا الحرة، مادة: ما بعد التفاعلية.
33 - راجع على سبيل المثال صفحات الترويج للهواتف الجوالة من الجيل الثالث في مواقع الهواتف الجوالة المختلفة.
34 - راجع إمكانيات المدونات في موقع Vox.com.
35 - ليلى عبد المجيد ومحمود علم الدين، فن التحرير الصحفي للجرائد والمجلات، السحاب للتوزيع والنشر، 2004. مع اعتبار أن الإشارات الخاصة بالصحافة الإليكترونية مصدرها: فاطمة فايز، وحدة البحوث والتطوير بشبكة إسلام أونلاين، خصائص المعالجة الصحافية.. رؤية مقارنة بين الصحافة المطبوعة والصحافة الإليكترونية، تقرير غير منشور، سبتمبر 2007.
36 - Lasica, J. D. "What is Participatory Journalism?" August 7, 2003, Online Journalism Review, August 7, 2003.
37 - راجع على سبيل المثال مدونة "المواطن" التي تصدرها الصحافية إيمان عبد المنعم أو مدونة " أنا إخوان" التي يصدرها الصحافي المصري محمود عبد المنعم.
38 - راجع على سبيل المثال مدونة الوعي المصري.
39 - موقع الشبكة الدولية لتبادل المعلومات حول حرية التعبير، فوز مصري وبورمية بجائزة نايت الدولية للصحافة، صفحة: جوائز وزمالات، 18/09/2007.
40 - تقرير تقويمي سنوي تصدره الصفحة لمتابعة وتقويم الأداء فيها (غير منشور).
41 - Alex Iskold, Web 3.0: When Web Sites Become Web Services, Read/Write Web 19/03/2007.
42 - Wikipedia, the free encyclopedia: Folksonomy.
43 - وسام فؤاد، الجيل الثالث من المنتديات.. قراءة في الوظيفة الاجتماعية لظاهرة المنتديات المحلية، دراسة غير منشورة، القاهرة، 2006.


 

Tags: "وسام فؤاد", "wessam fauad", "electronic communication m..., "new media", "ما بعد التدوين", "ما بعد التفاعلية"

ما بعد التدوين.. دراسة استشرافية حول تأثير التطور في ال

  • Apr 2, 2008

وسام فؤاد


لكي نفهم التطور الذي ستنتجه الإنترنت على الإعلام المنتمي في إطار استشرافي؛ لابد لنا من أن نتفهم اتجاه تطور الإنترنت نفسها، حتى يتسنى لنا أن نعرف ماهية هذا التأثير وكيفيته. ولعل مما يساعدنا على بناء عناصر هذه الدراسة الاستشرافية أن بين ظهرانينا اليوم بعض صنيعها الذي يمكن منه استمداد سيناريوهات العمل الإعلامي المستقبلي. وفي هذا الإطار نتناول أولا تطورات البنية التحتية، ثم ثانيا منظومة تداعياتها في مجال الإعلام الجديد، ونختم هذا الجزء الثاني بظاهرة ما بعد التدوين؛ وهو البعد الاستشرافي الذي تحاول هذه الورقة رسم ملامحه بصورة تقريبية.


أولا: تطور البنية التحتية للإنترنت:

تعتبر الإنترنت وسيلة الاتصال الأسرع نموا في تاريخ البشرية. ففي حين احتاج الراديو إلى 38 عاما للحصول على 50 مليون مستخدم لاستقبال برامجه، احتاج التلفزيون إلى 13 عاما للوصول إلى العدد نفسه، فيما احتاج تلفزيون الكابلات إلى 10 أعوام. أما شبكة الإنترنت فلم تحتج سوى إلى 5 أعوام للوصول إلى ذلك العدد، وأقل من 10 أعوام للوصول إلى 500 مليون مستخدم(1). ويعرض للإنترنت في هذه الآونة جملة من التغيرات نحتاج معها للتعرف الموجز على مسيرتها ثم اتجاه تطورها والمفاهيم الجديدة التي تؤطر مستقبلها.

أ – إطلالة على تطور الإنترنت: في عام 1969، وبعد خروج النظم الشبكية من عالم البنتاجون الدفاعي العسكري، تم وضع أول أربعة نقاط اتصال لشبكة سُميت أربانيت في مواقع في عدة جامعات أمريكية منتقاة بعناية، حتى تم في عام 1972 إجراء أول عرض عام لشبكة أربانيت في مؤتمر في العاصمة الأمريكية واشنطن، وكان تحت عنوان "العالم يريد أن يتواصل"، مؤذنا برفع الستار عن هذه الوسيلة الجديدة من وسائل الاتصال والإعلام. وفي نفس العام تقدم راي توملنس باختراع البريد الإلكتروني لمكتب براءات الاختراع ليقوم بإرسال أول رسالة على أربانيت. وقبل أن ينقضي عام 1973 كانت كل من النرويج والمملكة المتحدة قد انضمتا إلى تلك الشبكة. وفي عام 1974، تم نشر تفاصيل بروتوكول التحكم بالنقل TCP؛ وهي إحدى التقنيات التي ستحدد مستقبل الإنترنيت فيما بعد. وهدأت الأمور قليلا حتى عام 1977؛ حيث أنتجت شركة "ديجيتال إكويبمنت" موقع "إنترنت" خاصا بها لتعد بذلك أول شركة كومبيوتر تقوم بتلك الخطوة. وفي الأول من يناير من عام 1983، أصبح بروتوكول TCP/IP بروتوكولا معياريا لشبكة أربانيت. وفي العام الذي تلا ذلك مباشرة (1984) أخذت مؤسسة العلوم العالمية الأمريكية NSF على عاتقها مسؤولية "أربانيت"، وفي هذا العام تم تقديم نظام إعطاء أسماء لأجهزة الكومبيوتر الموصلة بالشبكة، والمسمى DNS أو Domain Name System. وبعد عامين - في 1986 - أنشأت مؤسسة العلوم العالمية NSF شبكتها الأسرع NSFNET، وفي نفس العام ظهر بروتوكول نقل الأخبار الشبكية NNTP جاعلا أندية النقاش التفاعلي المباشر أمرا ممكنا، وفي هذا العام تم بناء أول جدار حماية لشبكة الإنترنيت من قبل شركة "ديجيتال إكويبمنت". وآذن عام 1990 بإغلاق شبكة أربانيت، وتولت شبكة إنترنيت الأكثر شعبية مهمة تحقيق التواصل بدلا منها. وفي عام 1991 قدمت جامعة مينيسوتا الأمريكية برنامج "جوفر GOPHER" الذي يضطلع بمهمة استرجاع المعلومات من الأجهزة الخادمة في الإنترنت (2). ثم قامت مؤسسة الأبحاث الفيزيائية العالمية CERN في 1992 في سويسرا بتقديم شيفرة النص المترابط Hyper Text، وهو نظام التشفير البرمجي الذي أدى إلى التطور العملي للشبكة العالمية WWW، والذي بدأت معه عملية بث المواقع تأخذ الشكل الأكثر عملية واقتصادية. ثم جاء عام 1993 الذي شهد إنتاج الإصدار الأول من "موزاييك Mosaic" مستعرض الشبكة العالمية، وقد تبعه الآخرون مثل Netscape وExplorer وذلك لتيسير الإبحار عبر الإنترنت. وفي عام 1995 رصد المراقبون تحول نمو الإنترنت إلى انفجار، حيث أصبح عدد الأجهزة الخادمة المتصلة بالإنترنت قرابة ستة ملايين جهاز خادم وخمسون ألف شبكة في جميع أنحاء العالم. وفي عام 1996 بدأ العالم يتصل بشكل دائم بشبكة الإنترنت؛ وبدأت الخدمة تدخل الدول العربية (3).

هذه السطور التي تمثل بداية سلسلة تطور الإنترنت ليست سوى إحدى حلقات تطور الكيان المسمى World Wide Web: WWW، أو المعروف اختصارا باسم The Web أو الويب (4). ونحتاج إثر التعرف عليه أن نتعرف بصورة أكثر كثافة على تلك المصطلحات الجديدة التي تحكم الإطار المستقبلي للإنترنت؛ على الأقل في الأمد المنظور. ونتناول هذه المفاهيم التجديدية فيما يلي، بدءا من ما بعد التفاعلية وحتى Web 3.0.

ب - ما بعد التفاعلية: ما بعد التفاعلية Post Interactivity مفهوم اصطلاحي – صكه الباحث في دراسة سابقة، وهو مصطلح يصف مجمل تلك المراحل الجديدة التي ولجت إليها شبكة الإنترنت منذ عام 2006؛ اعتمادا على ما أضافته إليها تقنيات Web 2.0 وWeb 3.0، وإن كانت إرهاصاتها قد بدأت تتبلور مع بداية الألفية الثالثة. ومصطلح "ما بعد التفاعلية" من خلال الدلالة المباشرة له نجده يعني تجاوز تلك المرحلة "التفاعلية" من مراحل الإنترنت، والتي ذكرت - كمصطلح - للمرة الأولى في عام 1954، في كتاب ولبر شرام: عملية الاتصال الجماهيري وتأثيراتها، ثم في دراسة ماكميلان وداونز McMillan & Downes في 1999، والتي انتهت إلى أن الهدف من الاتصال هو التبادل والإعلام.. إلخ. ومصطلح "ما بعد التفاعلية" مصطلح صكه الباحث في مجال سوسيولوجيا الإنترنت وسام فؤاد؛ معبرا به عن اتجاه الإنترنت لمرحلة جديدة في علاقة مرتاديها وزوارها بمحتواها والمنشور على صفحاتها (5).

فحتى منتصف العقد الأول من القرن الحادي والعشرين، كان مرتادو الإنترنت ينقسمون حديا ما بين منتج لمحتوى الإنترنت وبين مستهلك لهذا المحتوى. وكانت العلاقة ما بين منتج المادة ومتصفحها أو مستهلكها تقوم على تواصل محدود من خلال مجموعة من الأدوات الاتصالية البدائية كبريد عموم المواقع أو ما يسمى: الويب ماستر، أو من خلال البريد الإليكتروني لصفحات المواقع إن وجد، أو من خلال البريد الإليكتروني لمنتج المادة إن أتيح، وكانت بعض المواقع تستبدل هذا كله من خلال توفير قاعدة بيانات لتجميع التغذية المعادة حول منتجاتها المبثوثة على الإنترنت. وهذه الأدوات لم تلبث أن فقدت فعاليتها بسبب سوء استخدامها وازدحامها بالرسائل غير المرغوب فيها. وبمعنى آخر؛ كان التدفق الإعلامي عبر الإنترنت يقوم على فلسفة التدفق في اتجاه أحادي One to Many: من المنتج إلى المتصفح في شكل اتصال إعلامي وتعليق محض، قد يتطور في بعض الأحيان لحوار عبر منتدى إليكتروني مدار يتحكم به مالكه. وكانت قلة نادرة من المواقع تمثل استثناء من هذه القاعدة.

وبدءا من أواخر عام 2005، دخلت الإنترنت مرحلة جديدة أمكن فيها لكل متصفحي الإنترنت أن يكونوا بمثابة مرسلي المادة الإعلامية ومستقبليها في آن، أي أن الإنترنت كوسيلة إعلامية صارت تعبير عن تدفق المحتوى الإعلامي في اتجاهين أو أنه أصبح تدفق متعدد الاتجاهات Many to Many. فبفضل التطور التقني، وترجمته في وسائل مثل الخادمات/السيرفرات الضخمة، وقواعد البيانات المتطورة، وتقدم تطبيقات الويب، بفضل هذا كله أصبحنا نجد مواقع تتيح لزوار الإنترنت ومتصفحيها تكوين حسابات يمكنهم من خلالها تحميل ملفات الفيديو والصوت والصورة والنصوص على ما يشبه مواقع محدودة تخصهم، وأن يتحكموا فيمن بإمكانه مشاهدة هذا المحتوى بدءا من التعامل والتداول الخاص جدا لدرجة الفردية وحتى التداول العام المفتوح للجميع.

واللافت في هذا الصدد أن هذه الخدمات تقدم مجانا. كما أنها أصبحت خلو من الرقابة إلى حد بعيد. وبدلا من المنتديات الإليكترونية المدارة، والمجموعات البريدية محدودة الفاعلية، والمواقع المجانية المتخمة بالإعلانات التي تفرضها المواقع الموفرة للخدمة، بدلا من هذا كله وجدنا المدونات ومواقع الفيديو ومواقع ألبومات الصور ومجموعات التواصل الآني تغزو الإنترنت.

وبرغم انخفاض تكلفة إنشاء المواقع، ونظرا لبعض القيود التي ترد على عملية إنشاء المواقع، وجدنا متصفحي الإنترنت يؤثرون اللجوء لهذه الخدمات المجانية لتوفير الوعي بما يهتمون به من قضايا عبر ما يقدمونه من منتجات الوسائط المتعددة تدعم قضاياهم التي تتراوح ما بين الجدية الفائقة وحتى المشاركة بغرض الترفيه. واللافت أن متصفحي الإنترنت العرب بخاصة لجأوا إلى هذه الخدمات لتوفير درجة من الوعي بقضاياهم السياسية التي تلقى من وسائل الإعلام بما فيها مواقع الإنترنت درجات متفاوتة من التعتيم.

تلك الحالة التي تجاوزت التفاعلية لصالح المشاركة المباشرة من متصفحي الإنترنت في إنتاج وتقديم محتوى هذه الشبكة العنكبوتية هي ما سنعرفه اليوم وتاريخيا باسم "الإنترنت ما بعد التفاعلية". ويتأسس هذا المصطلح على مجموعة من التطورات في البنية التحتية التي سنتناولها فيما يلي. وتعزى حالة ما بعد التفاعلية للتطور الذي حدث في بنية الإنترنت التحتية والذي يمكن تصنيفه لمرحلتين غير متعاقبتين؛ اصطلح على تسميتهما بويب 2.0 وويب 3.0.

1 - الجيل الثاني للإنترنت Web 2.0: يشير مصطلح Web 2.0 لجيل ثان متصور من المجتمعات المبنية على أساس الويب وخدمات الاستضافة المرتبطة بها، بالإضافة إلى مواقع التشبيك الاجتماعي ومواقع الويكي (أسلوب ويكي لقواعد بيانات إدارة المحتوى) وقواعد بيانات الفهرسة الإليكترونية Folksonomies. وتستهدف فلسفة Web 2.0 تسهيل عملية التواصل والتعاون والتشارك في المعلومات بين جمهور الإنترنت. وقد أصبح المصطلح شائعا بعد ذلك المؤتمر الذي نظمه مركز أوريلي ميديا O Reilly Media حول Web 2.0 في عام 2004. وبرغم أن المصطلح قد يوحي بأننا بصدد إصدارة جديدة من World Wide Web، إلا أن المصطلح لا يشير بحال لأي تحديث لجوانب Web 1.0 التقنية، ولكن إلى تغييرات في الكيفية التي يقوم بها مطورو البرامج ومستخدمو الإنترنت في التعامل مع الإنترنت. فهذا الجوهر الجديد Web 2.0 بمثابة ثورة اقتصادية في مجال صناعة الحاسوب نتجت عن النظر إلى الإنترنت باعتبارها منطلق Platform - وليس باعتبارها ساحة نشر، ومحاولة فهم قواعد النجاح في هذا المنطلق الجديد (6).

ولذا لم يعد من الممكن الحديث عن تلازم الإنترنت والمتصفح، بل أصبح الاتجاه الجديد أن كل التطورات الحاسوبية تراعي أن يكون شطر منها تشاركي.

إن فلسفة Web 2.0 لا تقوم فقط على اعتبار أن الإنترنت هي منصة في الأساس وليس مستودع نشر، بل يجاور ذلك عدة مكونات أخرى لرؤية Web 2.0 أهمها أن البيانات هي التي تقود عملية التجديد وبناء قالب المنصة الجديدة؛ في الوقت الذي يملك فيها المستخدم البيانات ويتحكم بها، كما أن الابتكار والتجديد داخل كل حزمة نظم والمواقع العاملة بها ينجم عن نوع من التشارك المقصود بين مجموعة كبيرة من مطورين البرامج المنتشرين في أنحاء العالم مع اتسامهم بدرجة عالية من الاستقلالية في عملهم بدون تبعية مؤسسية. ويرتبط بهذا النموذج من نماذج العمل وجود مفهوم مبسط للمشروعات الاقتصادية Business Models التي تمول هذه الحركة؛ وتقوم تلك المشروعات على أساس الاستفادة من المحتوى أو من الخدمات التي تحملها المواقع. كما أن هذه المواقع تعتمد على مجموعة من البرامج تزود بها زوار الموقع باعتبارها دوما النسخة المبدئية والتي تظل مبدئية مهما تطورت؛ وهو ما يعني أن مستخدمي هذه المواقع لن يجدوا حاجة لشراء أي برنامج ولا تكبد عناء البحث عن مفاتيح مزورة له. كما أن البرامج التي تستخدم في هذا الصدد تجد ربحها من خلال اتساع نطاق العلم بها خارج الدائرة الفردية (المنظمات الاقتصادية والطوعية والحكومية) (7).

وفي هذا الإطار يمكن أن نشير إلى خصائص البث على الإنترنت في إطار Web 2.0 بدءا من تلك الروح الأساسية في حقبة Web 2.0 المتمثلة في التشبيك Networking الذي تعتبره غايتها الأساسية، حيث إن الأساس في هذه الحقبة ربط التطبيقات المختلفة بالشبكة والسماح للمستخدم باستعمالها لأغراض التواصل العميق وليس فقط الاتصال؛ وهي من أهم خواص هذه الحقبة. ومن ناحية ثانية، فإن المحتوى – أيا كان يعد ملك لمن بثه أونلاين، ويمكن له التعديل في خصائص عرضه كيفما شاء. ومن جهة ثالثة، ثمة خاصية الديمقراطية التي تتيح لمتلقي أي محتوى بالتعاطي معه إيجابيا وليس فقط تلقيه، عن طريق التعقيب عليه أو نقده من خلال استخدام نص أو بأي من الوسائط المتعددة، أو حتى برابط. ومن زاوية رابعة نجد أن ثمة ارتفاع في درجة اليسر والسهولة في التعامل مع واجهات البرامج التي تدير علاقة المستخدم بالإنترنت، تلك البرامج المعتمدة على تقنيات تبسيطية مثل Ajax وما شابهها (8). ويحاول البعض إضافة التطورات التقنية في مجال الجرافيك، وهذا محتمل كعنصر مكمل، لكنه ليس عنصرا حاسما في بناء فلسفة Web 2.0.

2 - الجيل الثالث للإنترنت Web 3.0: ظهر هذا المصطلح للمرة الأولى في عام 2006 في مقال منشور بأحد مدونات الخبراء الناشطين في مساحة الإنترنت: جيفري زيلدمان في معرض تقديم رؤية نقدية النقاشات المثارة حول Web 2.0 والتقنيات المرتبطة بها مثل تقنية أجاكس المشار إليها سلفا (9).

وفي المنتدى الرقمي بالعاصمة الكورية سيول، والذي عقد في مايو 2007، طلب الحضور من المدير التنفيذي المسؤول بشركة جوجل: إيريك شميدت أن يوضح الفوارق بين Web 2.0 وWeb 3.0، وكانت إجابته فيما يتعلق بالمسمى Web 3.0 أنها طريقة جديدة لبناء تطبيقات الحاسوب، وأنه يرى أن Web 3.0 إن هي إلا مجموعة من التطبيقات المجمعة في إطار واحد، حاملة مجموعة من الخصائص المتمثلة في الصغر النسبي لحجم هذه التطبيقات، والقادرة على أن تنتصب وتشتغل في أي بيئة إليكترونية: كالحاسوب أو الهاتف الجوال أو المساعدات الشخصية الرقمية PDA، وتكون في الوقت نفسه سريعة جدا وقابلة للتكييف وفق رغبة مشغلها، معتمدة في توزيعها وتسويقها كمنتج على زيادة الوعي بها والانتشار من خلال ترابط الشبكات المختلفة الموجودة على الإنترنت؛ مما ينفي الحاجة لتخزينها وشرائها، وهذا نموذج جديد لتداول برامج الحاسوب Different Application Model. وفوق هذا كله نجد هذه البرامج تستوعب طوفان البيانات الذي يجري صبه فيها (10).

وفي كتابات غيره من الخبراء، نجد أن كلمة Web 3.0 تمثل مصطلحا يطلق لتوصيف تطور مختلف حيال استخدام الويب والتفاعل في إطارها على أصعدة مختلفة، على رأسها عملية تحويل WWW إلى قاعدة بيانات هائلة، وتلك ليست سوى خطوة باتجاه تعظيم قدرة التطبيقات الحاسوبية المختلفة ومنتجات الذكاء الصناعي على الوصول للمحتوى بالغ الوفرة على الإنترنت، والذي تصل وفرته لدرجة السيولة التي تعوق سهولة الوصول لمحتوى ذي خصائص نوعية. هذا بالإضافة لما في ذلك من إمكانات تسويقية عالية (11). ويعتبر البعض منهم أن المواقع التي تعتمد تقنية الأبعاد الثلاثية مثل Second Life وVirtual Realm وDisney s Toontown وVirtual Ibiza وغيرها من المواقع تتبع هذه الحقبة من الويب.

ويرى طائفة مهمة من الخبراء أن Web 3.0 هي جيل جديد بمفهوم نوعية المحتوى وليس بمفهوم نوعية التقنية. وفي هذا الإطار يذهب أليكس إيسكولد إلى أن الشبكة العنكبوتية تضم اليوم قدرا من المعلومات والبيانات تجاوز في حجمه إمكانية القياس بالميجابايت أو الجيجابايت ليقدر بمقياس التيرابايت، وهو ما جعل المعلومات النفيسة تختبئ بتشفيرها ولغاتها المتباينة عن حواسيب مستخدمي الشبكة. ويرى أن Web 3.0 كاتجاه من اتجاهات الويب الذكية Semantic Web قادرة على تغيير هذه الحقيقة، حيث إن المواقع الكبرى لن تكون إلا تلك المواقع التي تقدم خدمات الويب، وستكون قادرة على استخلاص المعلومات الثمينة المختبئة داخل الشبكة العنكبوتية ونشرها على العالم. ويرى أليكس أن التحول في أداء المواقع وطبيعة محتواها سيكون في أحد اتجاهين. حيث يرى أن بعض المواقع سيسير في الاتجاه الذي يمثله مواقع مثل موقع أمازون Amazon أو موقع ديليشس Del.icio.us أو موقع فليكر Flickr حيث تمنح زوارها خدمات مختلفة وفق تقنية REST API (تقنية تستخدم لغة Xml للتعامل مع قواعد البيانات ونظام الشراء الإليكتروني). وبعض المواقع الأخرى سوف تحاول الحفاظ على ملكية معلوماتها؛ لكنها ستجعلها قابلة للتعامل معها عن طريق تقنية Mashups (وهي تقنية تقوم على لغة تستمد المعلومات من أكثر من قاعدة بيانات لكنها تعمل على جمعها ضمن أداة عرض واحدة)؛ ومثالها مواقع مثل موقع دابر Dapper التسوقي، أو موقع تاكيلو Taqelo الذي يمكن اعتباره منظم عمل متطور قائم على التشبيك الموجه، أو بعض الصفحات الفرعية الخاصة داخل موقع ياهو ومنها ياهو بايبز Yahoo Pipes وهو موقع لتجميع الإفادات من الإنترنت بواسطة إعدادات يقوم بها المشترك في موقع ياهو. هذان الطريقان سوف يجعلان من المعلومات المتناثرة على الإنترنت صورة أخرى من المعلومات المعروضة بصورة منهجية متماسكة؛ ممهدة الطريق نحو منظومة حوسبة أكثر ذكاء (12). وهذا ما نراه أكبر القيم المعبرة عن حقيقة Web 3.0.

ج - الإنفوميديا والتقارب الإعلامي: منذ منتصف التسعينات والخبراء يتحدثون عن ثورة الاتصالات والمعلوماتية، وكان الجميع ينظر للإنترنت من طرف خفي باعتبارها صاحبة الفضل في شيوع حالة اليسر الاتصالية والوفرة المعلوماتية النسبية التي كانت آنذاك. ومع تطور الإنترنت بدأ الناس يتحدثون عن الإعلام الجديد ودلالاته وتداعياته على حياتنا. واليوم نتجاوز بحالة الإنفوميديا هاتين الحقبتين المجازيتين لندخل إلى حقبة جديدة يحدث فيها تقارب متسارع بصورة قوية في مجال البنية التحتية لوسائل الاتصال. لم يعد الأمر إذا محض تطور الإنترنت من النص إلى المالتيميديا، ولا انتقال من مرحلة الإعلام أحادي الاتجاه إلى الإعلام التفاعلي ذي الاتجاهين وباستخدام أدوات الصوت والصورة، بل صرنا نتحدث عن سيولة اتصالية بكل ما تعنيه كلمة سيولة من معنى، ناهيكم عما يعنيه هذا من وفرة معلوماتية (13).

قوام المرحلة التي نعيشها اليوم أنه لم تعد ثمة فوارق بين وسائل الإعلام ووسائل الاتصال. ولم يعد ثمة انفصال بين وسائل الاتصال. أما تماهي وسائل الإعلام والاتصال فيرجع إلى أن التليفزيون صار يستخدم للدردشة والاتصال، وهو ما يعرف بالتليفزيون التفاعلي. وبالعكس صار الهاتف يستخدم كوسيلة إعلامية عبر رسائل المالتيميديا وخدمة التليفزيون الجوال الذي غزت تطبيقاته العالم. غير أن ذلك رهن بالجيل الثالث من أجهزة الهاتف النقال (14).

وأما عن الخاصية الثانية للإنفوميديا فيرى الباحث وسام فؤاد أن قوامها عدم انفصال وسائل الاتصال/الإعلام أو انقطاعها عن بعضها. فالحاسوب اليوم يتصل بمنتهى اليسر بالتليفزيون والراديو والهاتف النقال والإنترنت. والتليفزيون به إمكانات التواصل مع الإنترنت، ويمكن تلاقي الناس عبره مع بعضهم حتى لو كان بعضهم يستخدم الإنترنت، أو يستخدم الهاتف النقال للدردشة النصية. كما يمكن تزويده بخواص الشبكات اللاسلكية المحدودة المغلقة، وبضغطة زر من حاسوبك يمكنك الاتصال بأي حاسوب أو جهاز اتصال أو تليفزيون موجود على سطح الكوكب ضمن خدمة دولية مضمونة بضوابط جودة (15).

ولا يقف الأمر عند هذه الحدود. فهذه الثورة الاتصالية وذلك التقارب بدأ يجد حضوره الإعلامي عبر قنوات تتسم جميعها بارتفاع درجة توفر المعلومات وتيسير بثها والحصول عليها، وارتفاع درجة التنافسية بين الوسائل الإعلامية المهنية وغير المهنية فيما يتعلق بالاقتراب من الحدث وفيما يخص الصدقية. وكل ذلك سنتلمس آثاره في حديثنا عن تداعيات هذه الثورة وذلك التقارب.

و – إطلالة خاصة على المواقع ثلاثية الأبعاد: تكاثرت المواقع التي تعتمد البيئة التقنية ثلاثية الأبعاد؛ متأثرة باتجاه جديد للوجود الافتراضي عبرت عنه حركة تسمى Cyberpunk Literary Movement والمتأثرة بصفة خاصة بتلك الرواية التي أنتجها نيل ستيفنسون المسماة تحطم الجليد Snow Crash والتي ألهمت أكثر من جهة للعمل في مجال المواقع المتخيلة ثلاثية الأبعاد، منها Second Life وDisney s Toontown. وهي ظاهرة تنمو باطراد (16). ويعد موقع Second Life أبرز المواقع المعبرة عن هذه الموجة، وهو ما يبرر الحديث عنه بصورة تعتبره أنموذجا لذلك العالم المتنامي.

إن تلك الإمبراطورية المسماة Second Life لا تعدو أن تكون عالما متخيلا تفاعليا مبنيا على تطبيقات الإنترنت، وقد طورته شركة ليندون لاب Linden Research, Inc وأطلقته في عام 2003، وسلطت وسائل الإعلام الضوء عليه في أواخر عام 2006 مع قيام وكالة رويترز للإعلام بافتتاح مكتب لها هناك بعد أن لاحظت درجة الاهتمام الفعلية به متمثلة في أعداد أعضائه ومقدار ما ينفقون فيه من أموال. وقد كان هدف شركة ليندون لاب أن تقوم بإنتاج بيئة تماثل تلك البيئة التي رسم نيل ستيفنسون ملامحها في روايته التي أشرنا إليها سلفا. تلك البيئة يتحقق الرابط بينها وبين مستخدم الشبكة من خلال برنامج وكيل يوصل المستخدم بالموقع. ويعمل موقع Second Life - وأمثاله من المواقع التخيلية - عن طريق مثل تلك البرامج التي تسمى برامج وكيلة Client Programs يتم تنصيبها في أجهزة الحاسوب؛ فتتيح لمستخدمه دخول هذا العالم، ومن ثم اختيار شكل إنساني كامل يعبر عنه أو عن أحلامه؛ ليبدأ بعدها في ممارسة النشاط الاجتماعي (إعلامي – سياسي – ثقافي – اقتصادي.. إلخ) الذي من أجله دخل هذا العالم، ويقيم شبكة علاقات اجتماعية جديدة قد تحاكي أو تخالف شبكة علاقاته في العالم الحقيقي. ويوجد بهذا الموقع عملة افتراضية تمسى "دولار ليندون"، ويمكن مقايضتها بكل العملات العالمية من الأسواق المختلفة وبخاصة في الأسواق الأمريكية والأوربية التي يمثل سكانها الغالبية الساحقة من المشتركين في Second Life والمقيمين به (17). والطريف أن الأسبوع الأخير من أكتوبر 2007 شهد شراء شبكة CNN مكتبا لها هناك ينتظر افتتاحه بحلول الخامس من نوفمبر 2007 (18).

وينظر البعض لموقع Second Life باعتباره لعبة، لكن تلك التسمية مخادعة. فهذا الموقع ليس به نقاط يجري اكتسابها وليس به أرقام تسجيل المكاسب Scores، وليس به رابحون وخاسرون، وليس مستويات للعب، ولا يتضمن إستراتيجية لعب، ولا يتضمن أي من الخصائص التي تميز مفهوم اللعبة Game بتطبيقاتها ونظرياتها المختلفة (19).

ووفقا لإحصاء موقع Second Life؛ فإن إجمالي المقيمين بعالم Second Life بلغ في 31 أكتوبر 2007، حوالي 10 مليون و600 ألف مقيما، يتواجد منهم على مدار الساعة ما متوسطه 8000 مقيما. وبلغ حجم التعاملات الآنية في هذا الموقع حوالي 3,567,766,213 دولارا ليندونيا، وقد صار لهذه العملة بورصة خاصة على الموقع تتيح البيع والشراء. وهو ما يعكس حجم الإقبال على هذا الموقع وحجم الجدية التي يتمتع بها حضوره اقتصاديا (20).


ثانيا: ما بعد التدوين.. المفهوم والدلالات

مصطلح ما بعد التدوين هو مصطلح صكه الباحث للتعبير عن مرحلة جديدة على صعيدين اثنين، نجملهما تاليا:

أ – هي تعبير عن تطور نوعي حدث في المساحة التعبيرية التي صارت متاحة لكل مستخدمي الإنترنت بعد التطورات التي حدثت في مجال البنية التحتية للإنترنت.

ب – هي أيضا تعبير عن تطور جديد في مجال العمل الإعلامي في علاقته ببيئته الاجتماعية.

ولكي نتعرف على ملامح ما بعد التدوين لابد لنا من الوقوف على طبيعة البيئة الإعلامية التي أنتجتها تلك التطورات في مجال البنية التحتية للإنترنت، وذلك في السطور القادمة.

بداية لابد لنا من التمييز تحليليا ما بين ذلك الشق من الإنترنت المبني على أن الإنترنت وسطا أو بيئة؛ وذلك الشق الذي تكون فيه الإنترنت وسيطا إعلاميا. فقد حدث تطور في كل شق على حده، إلا أن التطورات الأخيرة جعلت الحالة الإعلامية المتخصصة تخلط بين الشقين، فيما يمكن تسميته بتجديد أدوار الوسيط الإعلامي النهائي المسمى بالإنترنت في ثوبها الجديد. فمهما كنا نتحدث عن Web 2.0 أو Web 3.0 فإننا في النهاية نتحدث عن تلك الوسيلة الاتصالية والتواصلية التي تطورت خلال السنوات العشرين الأخيرة من مجرد وسيط نشر متجاوز للحدود وحتى كونه وسيلة تواصل فعالة إلى جانب كونه وسيلة اتصال. وهو ما يرشحها لتكون بيئة الاتصال والتواصل المثلى التي تسعى كل سبل الاتصال أو التواصل لمحاكاة بيئتها والتطور باتجاهها؛ لتصير الإنترنت في النهاية هدف التليفزيون والهاتف الجوال والمساعدات الشخصية بالإضافة للحواسيب بأشكالها المختلفة المحمولة والثابتة.

غير أننا عندما نتعامل مع هذه التغيرات المفاهيمية يصعب علينا أن نفصل في تأثيراتها بين ما تنتجه من تداعيات على صعيد الإنترنت كوسط والإنترنت كوسيط، ومع ذلك؛ فلابد من الوعي بالفارق بين المستويين لأنه سيكون جليا وواضحا في بعض المساحات التي سيشتبك فيها الشقان.

ولا شك في أن التداعيات الحادثة جللة، وأن الإحاطة بها في مقام كهذا المقام وورقة كهذه الورقة سيكون صعبا لا محالة. والعزاء أن تحاول الورقة تقديم ما يقع في منظور القائمين عليها موقع الأهمية الظرفية ذات الأولوية. وفيما يلي نعرض لتداعيات هذه التغيرات.

أ – إعلام متعدد الاتجاهات: سبق وأشرنا إلى أن ما بعد التفاعلية كخاصية لحقبة الإنترنت الجديدة قد نقلت زوار الإنترنت من حقبة استهلاك المحتوى الإعلامي إلى حالة إنتاج هذا المحتوى (22). ويشير تقرير نادي دبي للصحافة إلى أن من أم تلك التغيرات تحول نمط التدفق الإعلامي من نمط تدفق في اتجاه واحد One to Many إلى نمط تدفق متعدد الاتجاهات Many to Many، واعتبره نمطا جديدا يضاف إلى أنماط التوزيع التقليدية، وإلى نمط التوزيع حسب الطلب الذي جرى تقديمه مؤخرا. ويرى التقرير أن نمط التوزيع الجديد يسمح بتوزيع كل من المحتوى المهني (الذي تمثل قضية حقوق الملكية الفكرية قضية حيوية بالنسبة له) بالإضافة إلى ذلك المحتوى الصادر عن المستخدمين والذي يتراوح إنتاجه ما بين النص العفوي وتقنية الفيديو الصادرة عن كاميرا رقمية رخيصة الثمن (23).

وبمعنى آخر، فإن ملايين المدونات؛ بتلك اللغات المتباينة المتعددة، بما تحويه من محتوى نصي أو صوتي أو محتوى فيديو أضيفت لمساحة المحتوى الذي يتعرض له مستخدم الإنترنت يوميا، ولم يعد الأمر قاصرا على تلك المواقع الرسمية أو تلك المواقع التي تعبر عن مؤسسات إعلامية صار لها اتجاه محدد وموجه لا تحيد عنه.

ولابد من التأكيد على أن الاتجاه لتحويل الإنترنت لنمط قواعد بيانات يستند لسيرفرات ضخمة ورخيصة التكلفة، مع تطور الآليات الاقتصادية لاستثمار مثل هذا الوضع New Business Models قد جعل ثمة إمكانية لأي فرد أو جماعة بشرية أن يقوموا بنقل الأخبار والمعلومات التي يراد لها التعتيم، بل ويقدموها معززة بأدلة صوتية وفيديوية تكسبها المصداقية، وتصنع بمرور الأيام اسما تجاريا مشهورا Branding Name يكون له درجة عالية من المصداقية التي تزاحم مصداقية المؤسسات الإعلامية المهنية.

ولا شك في أن هذا يعني فيما يعني أيضا تحول المستقبل الإعلامي تاريخيا باتجاه الإنترنت باعتبارها الوسيلة التي تقدم منافذ إعلامية ذات قدرة على الاستمرار والصمود، مع رخص التكلفة من ناحية ثانية، وارتفاع الإمكانيات من ناحية ثالثة.

ب – مفهوم المواطن الصحافي: وقد ارتبط بتلك المرحلة ما عرفه المراقبون والمتخصصون باسم صحافة المواطن؛ ويعرف أيضا باسم Public or Participatory Journalism هو دور يؤديه المواطن الذي يلعب دورا فعالا في عملية جمع وتصنيف وتحليل وصياغة المعلومات والأخبار. ووفقا لتقرير We Media نصف السنوي الذي يصدره مركز الإعلام Media Center التابع للمعهد الأمريكي للصحافة The American Press Institute، فالمفهوم يعني تلك الكيفية التي يصوغ بها الجمهور مستقبل تداول الأخبار والمعلومات. وقد أعد كل من شين بومان وكريس ويليس دراسة ضمن تقرير النصف الأول من عام 2003 يرون فيها أن الغرض من هذه المشاركة الإعلامية توفير تلك المعلومات المستقلة والدقيقة التي تحتاجها الديمقراطية فيما يتعلق ببحث القضايا التي تحتاج توفر معلومات ذات صلة ويمكن الاعتماد عليها (24). وهذا المصطلح لا يجب الخلط بينه وبين مصطلح الصحافة المدنية، تلك التي يقوم بها الصحافيون المحترفون. صحافة المواطن هي جزء من محدد من مفهوم إعلام المواطن citizen media مثله في ذلك مثل مصطلح المحتوى الذي يبتكره المواطن (25).

وقد صنفت الباحثة الإعلامية جيه دي لاسيكا المحتوى الذي يقدمه المواطن الصحافي إلى 6 فئات تتمثل فيما يلي (26):

* مشاركة الجمهور المتلقي (مثل تلك التعليقات التي يكتبها المواطن استجابة للقصص الإخبارية، والمدونات الشخصية، وتلك الصور محدودة الكفاءة التي التقطها الأشخاص بكاميرات هواتفهم الجوالة، وتلك الأخبار المحلية التي يكتبها شخص مقيم ضمن مجتمع ما من المجتمعات).
* المواقع الإخبارية والمعلوماتية المستقلة (مثل تقارير المستهلكين أو تقارير السخرة في العمل Drudge Report).
* المواقع الإخبارية ذات المعالجة الناضجة (مثل موقع OhmyNews International).
* المواقع الإعلامية التي يشترك أصحابها في إنتاج محتواها أو تطوعوا لإنتاجه Collaborative and contributory media sites.
* الأنواع المختلفة من الإعلام الارتجالي أو المسمى Thin Media (المجموعات البريدية والنشرات الإخبارية).
* المواقع الإذاعية الشخصية.

هذا التحدي ذو طابع إعلامي وليس تقنيا. ويمكن اعتباره نوع من تنامي البنية الفوقية الإعلامية المترتب على تلك التطورات التي حدثت في مجال البنية التحتية المرتبطة بالإنترنت، مثل Web 2.0 وWeb 3.0.

ج - إعلام نمط الحياة: في إطار الحديث عن Web 2.0 أشار تقرير مؤسسة برايس ووترهاوس إلى نمط جديد من الأنماط الإعلامية المتمثلة في "إعلام نمط الحياة" أو Lifestyle Media. لتشير به إلى موجة جديدة من أنماط الإعلام تعبر عن الخبرة الإعلامية الشخصية ضمن سياق اجتماعي. ويشير تقرير نادي دبي للصحافة لعام 2006 إلى أن المستخدمين الإعلاميين النافذين الذين يتفاعلون مع الشبكات الاجتماعية على Web 2.0 يطلبون منتجات إعلامية تسمح لهم بزيادة القيمة المستفادة من المحتوى الإعلامي المتنوع ضمن وقت الفراغ المحدود المتاح لديهم (27).

فمرتادو الشبكات الاجتماعية المختلفة والمتعددة لهم مشارب واهتمامات مختلفة، وبعضهم يرى أن هذه الاهتمامات لا تجد لها التغطية الكافية التي تلبي كافة احتياجاتهم كافة الأنشطة التي يقومون بها وكافة المساحات الموضوعية التي يهتمون بها، وهو ما يدفعهم لتقديم محتوى يخصهم وحدهم، وربما يمكنهم نقله لغيرهم.

ويوضح الخبراء أن هذا النمط من الأنماط الإعلامية وفق هذا التوضيح عاليه يتسم بسمتين هامتين تتمثل أولاهما في أن هذا النمط يعطي المستخدم القدرة على اكتشاف أو تقديم محتوى جديد، وتتمثل ثانيتهما في أن هذا النمط يتيح للمستخدمين اختيار كيفية توزيع هذا المحتوى (28). فهذه النشاطات الخاصة بالمستخدمين – سواء أكانوا مجموعة علماء أم مجموعة من الساسة أصحاب وجهات النظر الجديدة موضع التضييق أو كانوا مجرد جماعة رفاق (شلة) - تقدم لهم خيارات جديدة تندرج ضمن دائرة اهتماماتهم وتمكنهم من تحديد طريقة قضاء الوقت المحدود المتاح لديهم.

د - تراجع إمكانيات التعتيم: سبق أن أشرنا لمدى تأثير المرحلة ما بعد التفاعلية على الإنترنت كوسيط إعلامي وما ارتبط به من توسيع نطاق إنتاج المحتوى الإعلامي. والقيمة المضافة الجديدة في هذه المساحة أن إمكانيات التعتيم على هذا المحتوى صارت بعيدة المنال.

فمن ناحية، يمكن القول بأن اندراج الإصدارات الإعلامية الجديدة تحت اسم نطاق لا صلة له باسم نطاق خاص باتجاه أو تيار يجعل من المستحيل منع أو حجب هذه الإصدارة الإعلامية من دون التأثر بالتعامل مع الموقع الكبير الذي جعلت أنظمة التكويد فيه هذه المهمة أقرب للاستحالة العملية. ويمكن القول بأن خبرة التعاطي الأمني مع ظاهرة الإرهاب الخطيرة كشفت عمق هذه الأزمة حيث انتقلت المواجهة من جهة حظر المواقع إلى مساحة أخرى من الصعب فيها مواجهة الأمر بسبب انتقاله إلى مساحات المواجهة عبر قنوات المدونات من جهة وقنوات استضافة الفيديو الرقمي (29).

ومن ناحية ثانية، فإن الجيل الجديد من المدونات على سبيل المثال يستوعب تقنية تصدير واستيراد المحتوى (30)، بما يعني أن منع موقع ما من مواقع المدونات سيعني إمكان انتقال هذه المدونة بنفس محتواها القديم إلى موقع آخر بضغطة زر. وهو ما يقف حائلا دون إمكانية المنع أو الحجب. وهذه الإمكانات تستند لمنطق تحويل الإنترنت إلى قاعدة بيانات وهو ما ألمح إليه الخبراء في الحديث عن Web 3.0.

ومن ناحية ثالثة، فإن تحول الإنترنت باتجاه قواعد البيانات سيجعل من الصعوبة بمكان السيطرة على المحتوى الخاص بها، وبخاصة مع تزايد الاتجاه نحو إنتاج التطبيقات التي تعتمد لغة MashUps التي تجمع البيانات المخزنة بصورة مستقلة لكنها تدمجها مع بعضها البعض في آليات عرض قائمة على ما يقارب مناهج نظم الخبرة المعروفة في تصنيف وعرض البيانات (31).

هـ – المستقبل الإعلامي بين المنافسة والصدقية: دخلت ظواهر إعلامية جديدة حيز المنافسة مع وسائل الإعلام قاطبة بصفة عامة، ومع البث الذي تبثه القنوات الفضائية وشبكات الكابل، وكذلك تلك المواقع الإذاعية الشهيرة الموجودة أونلاين، بالإضافة لمواقع الصحف البارز أونلاين. وأبرز مساحات المنافسة تلك ما نراه من المدونات والمساحات الخاصة التي توفرها المواقع الكبرى مثل My Space وGoogle وYahoo، ويضاف إليها محطات إذاعات الإنترنت الخاصة والمحدودة التي يمكنها بواسطة برنامج صغير مثل Jet Audio أو غيره أن توفر بثا منتظما بمجرد توفر القدرة على استئجار مساحة محدودة على سيرفر، بالإضافة لمواقع بث الفيديو التي بدأت تشتهر وتكثر مثل You Tube أو MetaCafe وغيرها، بالإضافة إلى ظاهرة المنتديات، فضلا عن استمرار الشكل البدائي لما بعد التفاعلية المتمثل في القوائم البريدية والمواقع المجانية (32). هذه الصور التنافسية الجديدة بدأت تحد من درجة مصداقية البث الفصائلي المتحزب أونلاين، وتوفر سبل هز هذه المصداقية من خلال وسائل ملموسة من المحتوى الإعلامي تصل لدرجة التوثيق المرئي عبر تقنيات الفيديو؛ بما في ذلك التقنيات الرخيصة.

وفي المقدمة المفاهيمية تعرضنا لمفهوم الإنفوميديا وما أنتجه من تقارب بين وسائل الاتصال المختلفة، وهو ما أعطى لوسائل الاتصال غير الإعلامي كالهواتف الجوالة أدوارا إعلامية. ففي الجيل الثالث من الهواتف المحمولة هناك مجموعة من البرامج التي تتيح لصاحب الهاتف الجوال أن يكون وسط الأحداث فيقوم بتصوير مجموعة من مشاهد الفيديو أو الوثائق أو الصور؛ ثم ينقلها بضغطة زر إلى مدونته الموجودة على الإنترنت ليراها الناس لحظة حدوثها (33). وهذه التقنية ليست بدعا من أصحاب شركات الهواتف الجوالة، بل تم هذا بالتنسيق ما بين شركات إنتاج الهواتف الجوالة وشركات إنتاج التطبيقات الحاسوبية والشركات الراعية لبعض مواقع المدونات بحيث تتيح بعض مواقع المدونات للمشتركين أصحاب المدونات أن يجروا بعض الإعدادات الخاصة لمدوناتهم لتزويدها عبر الهواتف النقالة (34).

6 - تطور خريطة تدفق العمل الصحافي: يمكن القول بان عملية التحرير الصحافي في المؤسسات الصحافية الورقية أو الإليكترونية كانت تتم وفق المتسلسلة التالية (35):

* التخطيط لتغطية الخبر (المتوقع والمتابع) أما المفاجئ فلا يخطط له، ويتم ذلك من خلال تحديد محاور الخبر ونقاطه الرئيسية، وجمع الخلفيات المتعلقة به من قسم المعلومات أو من أرشيف المحرر الصحفي الخاص به.
* جمع المعلومات من المصادر المختلفة البشرية والوثائقية.
* التقاط الصور الفوتوغرافية المناسبة للخبر بواسطة المحرر أو المصور الصحفي.
* مراجعة المادة الصحفية المكتوبة والمصورة واستكمالها، ووضع خلفيات للحدث يمكن من خلال الضغط على كلمة معينة داخل النص استدعاء مواد أخرى ذات صلة بالخبر المنشور وذلك حال الصحف الإلكترونية.
* تقييم المادة الصحفية المكتوبة والمصورة وتحديد صلاحيتها للنشر بواسطة المحرر المسئول، أو غيره حسب خط سير النص الصحفي داخل الوسيلة المعنية بالنشر.
* تجهيز الرسوم اليدوية التعبيرية والتوضيحية والساخرة التي سوف تصاحب الموضوعات أو تنشر بمفردها.
* اختيار البناء الفني للنص الصحفي: أي تحديد شكل المادة الإخبارية المخطط لنشرها (مقال – تحقيق- خبر – حوار- تقرير- فلاش – بانر- ساحة حوار).
* التحرير النهائي للنص الصحفي.
* المراجعة النهائية للنص الصحفي المحرر.
* التقييم النهائي وتحديد أولويات النشر.

غير أن تغير الأنماط الإعلامية جعل هذه المراحل الخاصة بالعمل الإعلامي المهني الكلاسيكي تقليدا مهنيا ربما لن يصمد كثيرا أمام المتغيرات الإعلامية المرتبطة بضرورة ملاحقة الحدث أونلاين. وقد سبق أن أشرنا إلى أنماط الإنتاج الإعلامي الخاصة بمفهوم المواطن الصحافي، والتي يمكن الإشارة إليها سريعا فيما يلي (36):

* مشاركة الجمهور المتلقي.
* المواقع الإخبارية والمعلوماتية المستقلة.
* المواقع الإخبارية المتخصصة ذات المعالجة الناضجة.
* المواقع الإعلامية التي تشارك أصحابها في إنتاج محتواها أو تطوعوا لإنتاجه.
* الأنواع المختلفة من الإعلام الارتجالي أو المسمى Thin Media (المجموعات البريدية والنشرات الإخبارية).
* المواقع الإذاعية الشخصية.

ويختلف إنتاج المحتوى من وسيلة لأخرى من هذه الوسائل. ولا شك في أن المواقع الأكثر نضجا في إنتاج محتواها الإعلامي قد توكل عملية إنتاج هذا المحتوى لمتطوع ذو خبرة يقترب كثيرا من هذه التقاليد، وربما كان بعض المواقع المندرجة تحت لافتة غير ناضجة يصدره من له خبرة بالعمل الصحافي مثل كثيرا من المدونات العربية التي يصدرها صحافيون ينشرون بها ما لا يجد طريقه للنشر بالصحف العادية (37).

غير أن اعتبار العفوية غالبا ما يكون مهيمنا على العمل المندرج تحت مفهوم صحافة المواطن، ولكنه مع ذلك يحوز على مصداقية عالية (38). ولعل درجة الإقبال العالية على مدونة مثل مدونة الوعي المصري، وحصول صاحبها وائل عباس على جائزة عن مجمل أعماله لكشف الفساد خلال عام 2005 - 2006 من "المنظمة الأفرومصرية لحقوق الإنسان"، بالإضافة لفوزه بجائزة "نايت الدولية للصحافة" لعام 2007 يمثلان مؤشرا على درجة الصدقية التي يتعامل بها الزوار مع مثل هذه المدونة (39).

غير أن نموذج صفحة عيون المشاهد الذي تقدمه شبكة إسلام أونلاين يمثل درجة وسطى بين تقاليد العمل الصحافي وبين العفوية الصادرة عن المواطن الصحافي بتجليه الحقيقي. فهذه الصفحة تعمل بفلسفة تقوم على صنع ملفات مختلفة تقوم في إطارها باستقبال مساهمات زوار الموقع في صورة ملفات نصية مزودة بصور فوتوغرافية، حيث يتولى المحرر المسؤول بالصفحة انتقاء الصور وتحرير النص ليليق بالنشر في صفحة تتبع موقع إسلام أونلاين. وقد لاقت الصفحة نجاحا كبيرا آذن باتجاهها لتصبح موقعا مستقلا في الأمد القريب. كما تتجه الصفحة لتدريب المتميزين من زوارها عبر استثمار تقنية التدريب الإليكتروني التي يبرز فيها موقع إسلام أونلاين كأحد المواقع الرائدة في مجال التدريب الإليكتروني (40).

7 - وفرة المحتوى وسيولته: كما سبق ورأينا، في عرض أليكس إيسكولد، فإن مقدار المعلومات المخزنة على الإنترنت صار يقدر بالتيرابايت وليس بالجيجابايت، وهذا قدر ضخم جدا من البيانات (41). ولنا أن ننظر إلى الفلسفة الإعلامية التي تحكم العالم الإعلامي الذي نقبل عليه والذي سيدلنا على أن حجم المعلومات التي ننتظرها في المستقبل سيكون فلكيا بالنظر إلى الاتجاه نحو تحويل كل مستخدمي الإنترنت إلى منتجين للمحتوى الاتصالي، ولنا أن نتخيل تنوع هذا الكم ما بين محتوى معلوماتي سياسي أو اقتصادي أو اجتماعي أو ثقافي ديني وغير ديني، بالإضافة للمحتوى المعبر عن النشاط الاقتصادي التجاري والتسويقي والدعائي غير المعلوماتي، ويمكننا أن نضيف إليه الجانب الترفيهي الهائل؛ سواء منه ما كان مجانيا أو اقتصاديا. هذه المؤشرات تدلنا على حالة قوية من حالات السيولة التي تنتظرنا، والتي سيكون فيها من العبث الاستمرار في إنتاج المعلومات بدون التوقف للحظات لتقويم هذا المحتوى، وتصنيفه، والابتكار في الخدمات المتعلقة بالانتقاء منه، وإنتاج ما يراعي مواءمات هذا المحتوى للاحتياجات الفردية.

إن ما ستقودنا إليه تلك التطورات الحادثة في مساحة Web 3.0 أن نقيم أداء المواقع الإعلامية المختلفة في سياق ما تقدمه لنا من خدمات تيسير الحصول على المحتوى الذي نريد. وهذه النوعية من الخدمات هي التي ميزت محرك بحث جوجل Google في مجال البحث عن النصوص عن غيره من محركات البحث القوية، كما ميزت محرك البحث الخاص بموقع Yahoo وAll The Web فيما يتعلق بالبحث عن ملفات المالتيميديا. وفي هذا الإطار تظهر مواقع تتقدم في ترتيبها بسبب ما توفره من خدمة الفرز والانتقاء والتجميع مع تقديم خاصية تتعلق بلياقة المحتوى للفرد، ومنها ما أشار إليه الباحث أليكس إيسكولد من مواقع مثل Del.icio.us. ويمكن في هذا الإطار طرح خبرة صفحة "أجندة الفعاليات" التي تقدمها شبكة إسلام أونلاين في محاولة منها لإنقاذ الفعاليات المبثوثة أونلاين من أن تتوه في خضم هذا الكم الهائل من السيولة المعلوماتية. وسوف يكون لنا وقفة مع هذه الصفحة لاحقا. فمثل هذه الخدمات ستكون مهمة ومميزة للمواقع التي تقدم خدمات في مجال الإعلام الإليكتروني، ولا يمكنها أن تتجاهلها.

ولا شك في أن من بين المهام الأساسية التي يمكن في إطارها ضبط هذه السيولة حدوث تقدم نوعي في مجال الفهرسة الإليكترونية المسماة Folksonomy والتي تمثل اليوم عمودا فقاريا لجهود فهرسة وتجميع المواد المتناظرة والمتشابهة بسبيل تحقيق مزيد من توثيق وتنظيم المحتوى وتصنيفه بما يتيح للتطبيقات الحاسوبية أن تقوم بوظيفة التصنيف والانتقاء وتجويد عرض النفائس المخبأة (42).

8 – تطور الأدوار الاجتماعية للوسيلة الإعلامية: بالنظر لأنموذج إعلام نمط الحياة الذي أوردناه سلفا، يمكننا الإشارة لدرجة من التبدل يصيب أدوار المؤسسات الإعلامية، أو ربما هو نوع من التطور يصيب المؤسسات العاملة في مجال التنمية، بحيث يصبح لهذه المؤسسات جملة من الأدوار التي يتضافر فيها نمط العمل الإعلامي الموجه مع نمط التشبيك الاجتماعي التنموي. أو ربما تنشأ جماعة يكون لها هدفا تنمويا لكنها تتخذ الإعلام مدخلا لتعبئة الجمهور المحتمل خلف قضيتهم مهما دق حجمها.

وكان أحد الباحثين المشاركين بهذه الدراسة قد أجرى بحثا حول الجيل الثالث من المنتديات، مشيرا إلى خاصية مهمة لهذا الجيل تتمثل في المحدودية الجغرافية التي يعبر عنها هذا الجيل مع اهتمامه بقضايا تنموية بالغة الصغر تتعلق بالتوعية البيئية من قبيل قضايا كالنظافة والتنبيه لبعض الأخطار التي تنشأ في المنطقة التي تعبر عنها هذه المنتديات (43).

9 – إثراء الدراسات الإعلامية: بالنظر إلى أدبيات علوم الإعلام التي غالبا ما تكون فيها الأدبيات النظرية تبعا لتطور واستقرار العمل بالوسائل الإعلامية، فإن من المرتقب أن تسفر تلك التطورات عن حزمة جديدة من الاهتمام البحثي والأكاديمي بالنشاط الإعلامي أونلاين بصورة خاصة وفي أوساط الإنفوميديا بصفة عامة، وذلك في محاولة لاستكشاف قيم إعلامية جديدة ضمن هذا التدفق الإعلامي الوافر، أو محاولة ضبط هذا المنتج ببعض القواعد التي تزيد من "مهننته" Profissionalization وحرفيته؛ ومن ثم فاعليته وتأثيره.

10 – ما بعد التدوين: المحصلة الرئيسية التي رأيناها من استعراض مجمل المقدمات السابقة تتمثل في حدوث طفرة على صعيدين:

* الصعيد الأول يتمثل في التنامي الكيفي للمساحة التعبيرية التي أتاحتها الإنترنت الجديدة لمستخدمها. ويمكننا في هذا الإطار أن نتحدث عن تلك السعة الهائلة في الإمكانيات التي أعطيت لمفهوم المواطن الصحافي.

فإبان فكرة مفهوم المواطن الصحافي. كانت انعكاسات فكرة مفهوم المواطن الصحافي وفيرة لكنها لم تزل محدودة في حيز النص المكتوب، مع بعض الإمكانيات الخاصة بمساحة صغيرة للفيديو مع مساحة معينة للتصوير، يمكن القول بأن إمكانات الإنفوميديا قد أنمتها عبر آليات مثل Mobile Bloging. أما ما يحدث الآن من طفرة فيمكن أن يتجاوز واقع التدوين لصالح بناء منظومة قوية تتيح الاستفادة من خدمات الشبكة المختلفة، بحيث يمكن لمدونة صغيرة أن تستورد عدد كبير ذو وزن ضخم من أفلام الفيديو وملفات الصوت من تلك المواقع التي توفر خدمة استضافة هذه النوعية من الملفات مثل You Tube أو Foto Log، بحيث لم يعد ما لدينا من إمكانات هو نص يصحبه فيلم فيديو أو عدة صور مع إمكانية إرفاق هذا كله باستطلاع رأي محدود، بل صار لدينا حيز من تطبيقات الويب التي تستوعب بالإضافة لكل ما سبق إمكانية أن يضيف مطورو البرامج Web Developers عدد غير حصري من تطبيقات الويب الخفيفة ذات الصبغة الوظيفية التي تحتاج إليها الأعمال الإعلامية ذات الأهداف الاجتماعية.

ويمكن أن نختلس النظر إلى إمكانية متاحة الآن على شبكة الإنترنت تتمثل في موقع Face Book. فهذا الموقع يوفر إمكانيات نصية غير محدودة لزواره، مع إمكانية استضافة فيديو من أي موقع يستضيف الفيديو مجانا، أو أي موقع يستضيف أي من ملفات الصوت والصورة والفلاش. ولا يقف الأمر عند هذا الحد، بل نجد مزيدات برامجية غير محدودة، سواء اكانت بتقنية MashUps أو تقنية APIs ذات وظائف ترفيهية وتواصلية مختلفة.

وقد يظن البعض أن ما نتصوره من إمكانيات قد يقتصر على مواقع Face Book أو HI5 أو غيرها من مواقع Social Web. لكن هذا ليس صحيحا. هذه البرامج متوفرة من خلال موارد برمجية مفتوحة Open Sources، ويمكن تطويرها لاستيعاب وظائف جديدة ومحددة. بل إن موقع مثل Face Book – كما سبق ورأينا - يجد دعما غير محدود من أولئك المهتمين بالمصادر البرمجية المفتوحة ومطوريها.

والمصدر الثاني من مصادر قوة هذا الجيل من مساحة الاتصال والتواصل (21) يتمثل في إمكانية التشبيك العالية التي يتيحها، فهي تطبيقات ويب تعمل وفق منظومة WiKi التي تتيح أكثر من منفذ إدخال المحتوى، وتتيح إمكانيات التشارك في هذا المحتوى، سواء أكان التشارك مطلقا أم مقيدا. ولا يوجد سقف للتشارك، كما لا يوجد سقف لأشكال التشارك. فهناك الجيل الثاني من المجموعات البريدية، بالإضافة لإمكانيات استعراض العدد غير المحدود من المتشاركين لعدد غير محدود من مواد المحتوى. وكل ما تتطلبه فاعلية هذه الحالة التشبيكية القوية إيمان أحد أعضاء هذه الحالة بفكرة، ثم إقناع الناس بها ليبدأ تداولها في إطار تشبيكي.

* والصعيد الثاني يتمثل في تطور مجال العمل الإعلامي نفسه، ليصير بإمكاننا التحدث عن مرحلة جديدة من الإعلام الإليكتروني المنتمي. لقد رأينا من قبل تصنيفا للإعلام ما بين إعلام إخباري محترف وإعلام موجه، وهذا الصنف الثاني هو الذي نميل لتسميته بالإعلام المنتمي. والحالة التي نتصورها لمستقبل الإعلام على الإنترنت أنه سيتحول إلى وحدات صغيرة من الإعلام المنتمي، حيث لا يصير الإعلام الأساسي لمستخدم الإنترنت هو ذلك الذي يعرض الخبر أو المعلومة المتخصصة، بل سيصير الإعلام الأساسي بالنسبة لمستخدم المستخدم هو ذلك الإعلام الذي سيتلقاه عبر مجموعته الخاصة أو الـ Community الخاص به، وهي صورة ستكون قريبة لما نعرفه اليوم باسم إعلام نمط الحياة، حيث سيتحول كل شكل من أشكال الإعلام المنتمي إلى بناء المجتمع الخاص به، وبذلك يملك القدرة على الحشد والتعبير والتجييش لأجل الفكرة التي يؤمن بها.

وترجيحي إن ذلك الفتح في الموجة الجديدة من الإعلام الإنترنتي المنتمي سيكون من نصيب القطاع غير الحكومي بصورة أساسية، حيث ستلجأ إليه كل أطروحات التنمية المختلفة التي ستكون دوما في حاجة لبناء تجمع شبكي خاص بها لكسب التأييد عبر بنائها مجتمعها الخاص، ومن ثم تحقيق طموحاتها.

إن مثل هذه الحالة التي عرضناها يمكن أن تعتمد مبدئيا على المواقع المتاحة مثل Face Book أو My Space أو Hi5 أو غيرها من مواقع تطبيقات الويب التشاركية، لكنها أيضا يمكن أن تقوم على توظيف خاص لبعض المصادر المفتوحة من هذه البرامج وتطويرها. والميزة في البرامج المتاحة التي أشرنا إليها أنها مدعوة بمساحة تخزين هائلة متوفرة على الخادمات التي تستأجرها لا يمكن توفيرها لغيرها من المواقع الخاصة، كما أنها مواقع صعبة الحجب، ويمكن تبديلها في حال تعرضها للحجب بمواقع غيرها. لكن ربما تفضي التطورات التقنية الهائلة المتلاحقة إلى إنتاج واقع تقني جديد ترخص فيه مساحات السيرفرات المستأجرة، كما أفضت لتعذر عملية حجب بعض المواقع.

========
الإحالات المرجعية:
1 - Middle East & North Africa Statistics, Internet World Stats.
2 - Alex Simonelis, Histories of the Internet, Internet Society International Secretariat WebSite: ISOC, 28-Nov-2006.
3 - المرجع السابق.
4 - Wikipedia, the free encyclopedia: World Wide Web.
5 - موسوعة ويكيبيديا الحرة، مادة: ما بعد التفاعلية.
6 - Wikipedia, the free Encyclopedia: Web 2.0.
7 - William Brister, Web 2.0, EZine Articles web Magazine.
8 - Wikipedia, the free encyclopedia: Web 2.0.
9 - Michael Copeland Weaving the Semantic Web, Business2.com, July 3, 2007.
10 - Wikipedia, the free encyclopedia: Web 3.0.
11 - Heather Green A Web That Thinks Like You, Businessweek.com, July 9, 2007.
12 - Alex Iskold, Web 3.0: When Web Sites Become Web Services, Read/Write Web 19/03/2007.
13 - موسوعة ويكيبيديا الحرة: مادة الإنفوميديا.
14 - وحدة البحوث والتطوير بشبكة إسلام أونلاين، التطور في البنية التحتية للإنفوميديا، عدد مارس 2007، تقرير دوري غير منشور، ص: 12.
15 - المرجع السابق، ص ص: 13 – 14.
16 - Wikipedia, the free encyclopedia: Second Life.
17 - Wikipedia, the free encyclopedia: Second Life.
18 - Mike Shields, CNN Goes Virtual, MediaWeek, 29/10/2007.
19 - Wikipedia, the free encyclopedia: Second Life.
20 - Second Life Economic Statistics.
21 - مصطلح التقطه الباحث من مقابلة علمية أجراها مع الأستاذ توفيق غانم المدير العام لشركة ميديا إنترناشيونال صاحبة امتياز مشروع إسلام أونلاين.
22 - موسوعة ويكيبيديا الحرة، مادة ما بعد التفاعلية.
23 - تقرير نادي دبي للصحافة لعام 2006، ص: 20.
24 - Bowman, S. and Willis, C. "We Media: How Audiences are Shaping the Future of News and Information." 2003, The Media Center at the American Press Institute.
25 - Wikipedia, the free encyclopedia: Citizen Journalism.
26 - Lasica, J. D. "What is Participatory Journalism?" August 7, 2003, Online Journalism Review, August 7, 2003.
27 - تقرير نادي دبي للصحافة، عام 2006، ص: 23.
28 - المرجع السابق، ص ص: 23 – 24.
29 - يمكن على سبيل المثال مراجعة كم الفيديو المرتبط بأسامة بن لادن على موقع You Tube للتدليل على حجم هذه القضية، بالإضافة للمدونات الخاصة بالجماعات المنشقة المختلفة في الغرب ومن بينها الجيش الجمهوري الأيرلندي ومنظمة الباسك.
30 - يمكن في هذا الإطار مراجعة إمكانيات موقع المدونات البازغ Taking It Global التي تتيح مثل هذه الخدمة.
31 - Alex Iskold, Web 3.0: When Web Sites Become Web Services, Read/Write Web 19/03/2007.
32 - موسوعة ويكيبيديا الحرة، مادة: ما بعد التفاعلية.
33 - راجع على سبيل المثال صفحات الترويج للهواتف الجوالة من الجيل الثالث في مواقع الهواتف الجوالة المختلفة.
34 - راجع إمكانيات المدونات في موقع Vox.com.
35 - ليلى عبد المجيد ومحمود علم الدين، فن التحرير الصحفي للجرائد والمجلات، السحاب للتوزيع والنشر، 2004. مع اعتبار أن الإشارات الخاصة بالصحافة الإليكترونية مصدرها: فاطمة فايز، وحدة البحوث والتطوير بشبكة إسلام أونلاين، خصائص المعالجة الصحافية.. رؤية مقارنة بين الصحافة المطبوعة والصحافة الإليكترونية، تقرير غير منشور، سبتمبر 2007.
36 - Lasica, J. D. "What is Participatory Journalism?" August 7, 2003, Online Journalism Review, August 7, 2003.
37 - راجع على سبيل المثال مدونة "المواطن" التي تصدرها الصحافية إيمان عبد المنعم أو مدونة " أنا إخوان" التي يصدرها الصحافي المصري محمود عبد المنعم.
38 - راجع على سبيل المثال مدونة الوعي المصري.
39 - موقع الشبكة الدولية لتبادل المعلومات حول حرية التعبير، فوز مصري وبورمية بجائزة نايت الدولية للصحافة، صفحة: جوائز وزمالات، 18/09/2007.
40 - تقرير تقويمي سنوي تصدره الصفحة لمتابعة وتقويم الأداء فيها (غير منشور).
41 - Alex Iskold, Web 3.0: When Web Sites Become Web Services, Read/Write Web 19/03/2007.
42 - Wikipedia, the free encyclopedia: Folksonomy.
43 - وسام فؤاد، الجيل الثالث من المنتديات.. قراءة في الوظيفة الاجتماعية لظاهرة المنتديات المحلية، دراسة غير منشورة، القاهرة، 2006.


 

Tags: "وسام فؤاد", "wessam fauad", " ما بعد التفاعلية", نيوميديا, "electronic communication m..., "لإعلام الجديد" الجدي"د, "new media", " ما بعد التدوين" …

ما بعد التدوين.. دراسة استشرافية حول تأثير التطور في ال

  • Apr 2, 2008

وسام فؤاد


لكي نفهم التطور الذي ستنتجه الإنترنت على الإعلام المنتمي في إطار استشرافي؛ لابد لنا من أن نتفهم اتجاه تطور الإنترنت نفسها، حتى يتسنى لنا أن نعرف ماهية هذا التأثير وكيفيته. ولعل مما يساعدنا على بناء عناصر هذه الدراسة الاستشرافية أن بين ظهرانينا اليوم بعض صنيعها الذي يمكن منه استمداد سيناريوهات العمل الإعلامي المستقبلي. وفي هذا الإطار نتناول أولا تطورات البنية التحتية، ثم ثانيا منظومة تداعياتها في مجال الإعلام الجديد، ونختم هذا الجزء الثاني بظاهرة ما بعد التدوين؛ وهو البعد الاستشرافي الذي تحاول هذه الورقة رسم ملامحه بصورة تقريبية.


أولا: تطور البنية التحتية للإنترنت:

تعتبر الإنترنت وسيلة الاتصال الأسرع نموا في تاريخ البشرية. ففي حين احتاج الراديو إلى 38 عاما للحصول على 50 مليون مستخدم لاستقبال برامجه، احتاج التلفزيون إلى 13 عاما للوصول إلى العدد نفسه، فيما احتاج تلفزيون الكابلات إلى 10 أعوام. أما شبكة الإنترنت فلم تحتج سوى إلى 5 أعوام للوصول إلى ذلك العدد، وأقل من 10 أعوام للوصول إلى 500 مليون مستخدم(1). ويعرض للإنترنت في هذه الآونة جملة من التغيرات نحتاج معها للتعرف الموجز على مسيرتها ثم اتجاه تطورها والمفاهيم الجديدة التي تؤطر مستقبلها.

أ – إطلالة على تطور الإنترنت: في عام 1969، وبعد خروج النظم الشبكية من عالم البنتاجون الدفاعي العسكري، تم وضع أول أربعة نقاط اتصال لشبكة سُميت أربانيت في مواقع في عدة جامعات أمريكية منتقاة بعناية، حتى تم في عام 1972 إجراء أول عرض عام لشبكة أربانيت في مؤتمر في العاصمة الأمريكية واشنطن، وكان تحت عنوان "العالم يريد أن يتواصل"، مؤذنا برفع الستار عن هذه الوسيلة الجديدة من وسائل الاتصال والإعلام. وفي نفس العام تقدم راي توملنس باختراع البريد الإلكتروني لمكتب براءات الاختراع ليقوم بإرسال أول رسالة على أربانيت. وقبل أن ينقضي عام 1973 كانت كل من النرويج والمملكة المتحدة قد انضمتا إلى تلك الشبكة. وفي عام 1974، تم نشر تفاصيل بروتوكول التحكم بالنقل TCP؛ وهي إحدى التقنيات التي ستحدد مستقبل الإنترنيت فيما بعد. وهدأت الأمور قليلا حتى عام 1977؛ حيث أنتجت شركة "ديجيتال إكويبمنت" موقع "إنترنت" خاصا بها لتعد بذلك أول شركة كومبيوتر تقوم بتلك الخطوة. وفي الأول من يناير من عام 1983، أصبح بروتوكول TCP/IP بروتوكولا معياريا لشبكة أربانيت. وفي العام الذي تلا ذلك مباشرة (1984) أخذت مؤسسة العلوم العالمية الأمريكية NSF على عاتقها مسؤولية "أربانيت"، وفي هذا العام تم تقديم نظام إعطاء أسماء لأجهزة الكومبيوتر الموصلة بالشبكة، والمسمى DNS أو Domain Name System. وبعد عامين - في 1986 - أنشأت مؤسسة العلوم العالمية NSF شبكتها الأسرع NSFNET، وفي نفس العام ظهر بروتوكول نقل الأخبار الشبكية NNTP جاعلا أندية النقاش التفاعلي المباشر أمرا ممكنا، وفي هذا العام تم بناء أول جدار حماية لشبكة الإنترنيت من قبل شركة "ديجيتال إكويبمنت". وآذن عام 1990 بإغلاق شبكة أربانيت، وتولت شبكة إنترنيت الأكثر شعبية مهمة تحقيق التواصل بدلا منها. وفي عام 1991 قدمت جامعة مينيسوتا الأمريكية برنامج "جوفر GOPHER" الذي يضطلع بمهمة استرجاع المعلومات من الأجهزة الخادمة في الإنترنت (2). ثم قامت مؤسسة الأبحاث الفيزيائية العالمية CERN في 1992 في سويسرا بتقديم شيفرة النص المترابط Hyper Text، وهو نظام التشفير البرمجي الذي أدى إلى التطور العملي للشبكة العالمية WWW، والذي بدأت معه عملية بث المواقع تأخذ الشكل الأكثر عملية واقتصادية. ثم جاء عام 1993 الذي شهد إنتاج الإصدار الأول من "موزاييك Mosaic" مستعرض الشبكة العالمية، وقد تبعه الآخرون مثل Netscape وExplorer وذلك لتيسير الإبحار عبر الإنترنت. وفي عام 1995 رصد المراقبون تحول نمو الإنترنت إلى انفجار، حيث أصبح عدد الأجهزة الخادمة المتصلة بالإنترنت قرابة ستة ملايين جهاز خادم وخمسون ألف شبكة في جميع أنحاء العالم. وفي عام 1996 بدأ العالم يتصل بشكل دائم بشبكة الإنترنت؛ وبدأت الخدمة تدخل الدول العربية (3).

هذه السطور التي تمثل بداية سلسلة تطور الإنترنت ليست سوى إحدى حلقات تطور الكيان المسمى World Wide Web: WWW، أو المعروف اختصارا باسم The Web أو الويب (4). ونحتاج إثر التعرف عليه أن نتعرف بصورة أكثر كثافة على تلك المصطلحات الجديدة التي تحكم الإطار المستقبلي للإنترنت؛ على الأقل في الأمد المنظور. ونتناول هذه المفاهيم التجديدية فيما يلي، بدءا من ما بعد التفاعلية وحتى Web 3.0.

ب - ما بعد التفاعلية: ما بعد التفاعلية Post Interactivity مفهوم اصطلاحي – صكه الباحث في دراسة سابقة، وهو مصطلح يصف مجمل تلك المراحل الجديدة التي ولجت إليها شبكة الإنترنت منذ عام 2006؛ اعتمادا على ما أضافته إليها تقنيات Web 2.0 وWeb 3.0، وإن كانت إرهاصاتها قد بدأت تتبلور مع بداية الألفية الثالثة. ومصطلح "ما بعد التفاعلية" من خلال الدلالة المباشرة له نجده يعني تجاوز تلك المرحلة "التفاعلية" من مراحل الإنترنت، والتي ذكرت - كمصطلح - للمرة الأولى في عام 1954، في كتاب ولبر شرام: عملية الاتصال الجماهيري وتأثيراتها، ثم في دراسة ماكميلان وداونز McMillan & Downes في 1999، والتي انتهت إلى أن الهدف من الاتصال هو التبادل والإعلام.. إلخ. ومصطلح "ما بعد التفاعلية" مصطلح صكه الباحث في مجال سوسيولوجيا الإنترنت وسام فؤاد؛ معبرا به عن اتجاه الإنترنت لمرحلة جديدة في علاقة مرتاديها وزوارها بمحتواها والمنشور على صفحاتها (5).

فحتى منتصف العقد الأول من القرن الحادي والعشرين، كان مرتادو الإنترنت ينقسمون حديا ما بين منتج لمحتوى الإنترنت وبين مستهلك لهذا المحتوى. وكانت العلاقة ما بين منتج المادة ومتصفحها أو مستهلكها تقوم على تواصل محدود من خلال مجموعة من الأدوات الاتصالية البدائية كبريد عموم المواقع أو ما يسمى: الويب ماستر، أو من خلال البريد الإليكتروني لصفحات المواقع إن وجد، أو من خلال البريد الإليكتروني لمنتج المادة إن أتيح، وكانت بعض المواقع تستبدل هذا كله من خلال توفير قاعدة بيانات لتجميع التغذية المعادة حول منتجاتها المبثوثة على الإنترنت. وهذه الأدوات لم تلبث أن فقدت فعاليتها بسبب سوء استخدامها وازدحامها بالرسائل غير المرغوب فيها. وبمعنى آخر؛ كان التدفق الإعلامي عبر الإنترنت يقوم على فلسفة التدفق في اتجاه أحادي One to Many: من المنتج إلى المتصفح في شكل اتصال إعلامي وتعليق محض، قد يتطور في بعض الأحيان لحوار عبر منتدى إليكتروني مدار يتحكم به مالكه. وكانت قلة نادرة من المواقع تمثل استثناء من هذه القاعدة.

وبدءا من أواخر عام 2005، دخلت الإنترنت مرحلة جديدة أمكن فيها لكل متصفحي الإنترنت أن يكونوا بمثابة مرسلي المادة الإعلامية ومستقبليها في آن، أي أن الإنترنت كوسيلة إعلامية صارت تعبير عن تدفق المحتوى الإعلامي في اتجاهين أو أنه أصبح تدفق متعدد الاتجاهات Many to Many. فبفضل التطور التقني، وترجمته في وسائل مثل الخادمات/السيرفرات الضخمة، وقواعد البيانات المتطورة، وتقدم تطبيقات الويب، بفضل هذا كله أصبحنا نجد مواقع تتيح لزوار الإنترنت ومتصفحيها تكوين حسابات يمكنهم من خلالها تحميل ملفات الفيديو والصوت والصورة والنصوص على ما يشبه مواقع محدودة تخصهم، وأن يتحكموا فيمن بإمكانه مشاهدة هذا المحتوى بدءا من التعامل والتداول الخاص جدا لدرجة الفردية وحتى التداول العام المفتوح للجميع.

واللافت في هذا الصدد أن هذه الخدمات تقدم مجانا. كما أنها أصبحت خلو من الرقابة إلى حد بعيد. وبدلا من المنتديات الإليكترونية المدارة، والمجموعات البريدية محدودة الفاعلية، والمواقع المجانية المتخمة بالإعلانات التي تفرضها المواقع الموفرة للخدمة، بدلا من هذا كله وجدنا المدونات ومواقع الفيديو ومواقع ألبومات الصور ومجموعات التواصل الآني تغزو الإنترنت.

وبرغم انخفاض تكلفة إنشاء المواقع، ونظرا لبعض القيود التي ترد على عملية إنشاء المواقع، وجدنا متصفحي الإنترنت يؤثرون اللجوء لهذه الخدمات المجانية لتوفير الوعي بما يهتمون به من قضايا عبر ما يقدمونه من منتجات الوسائط المتعددة تدعم قضاياهم التي تتراوح ما بين الجدية الفائقة وحتى المشاركة بغرض الترفيه. واللافت أن متصفحي الإنترنت العرب بخاصة لجأوا إلى هذه الخدمات لتوفير درجة من الوعي بقضاياهم السياسية التي تلقى من وسائل الإعلام بما فيها مواقع الإنترنت درجات متفاوتة من التعتيم.

تلك الحالة التي تجاوزت التفاعلية لصالح المشاركة المباشرة من متصفحي الإنترنت في إنتاج وتقديم محتوى هذه الشبكة العنكبوتية هي ما سنعرفه اليوم وتاريخيا باسم "الإنترنت ما بعد التفاعلية". ويتأسس هذا المصطلح على مجموعة من التطورات في البنية التحتية التي سنتناولها فيما يلي. وتعزى حالة ما بعد التفاعلية للتطور الذي حدث في بنية الإنترنت التحتية والذي يمكن تصنيفه لمرحلتين غير متعاقبتين؛ اصطلح على تسميتهما بويب 2.0 وويب 3.0.

1 - الجيل الثاني للإنترنت Web 2.0: يشير مصطلح Web 2.0 لجيل ثان متصور من المجتمعات المبنية على أساس الويب وخدمات الاستضافة المرتبطة بها، بالإضافة إلى مواقع التشبيك الاجتماعي ومواقع الويكي (أسلوب ويكي لقواعد بيانات إدارة المحتوى) وقواعد بيانات الفهرسة الإليكترونية Folksonomies. وتستهدف فلسفة Web 2.0 تسهيل عملية التواصل والتعاون والتشارك في المعلومات بين جمهور الإنترنت. وقد أصبح المصطلح شائعا بعد ذلك المؤتمر الذي نظمه مركز أوريلي ميديا O Reilly Media حول Web 2.0 في عام 2004. وبرغم أن المصطلح قد يوحي بأننا بصدد إصدارة جديدة من World Wide Web، إلا أن المصطلح لا يشير بحال لأي تحديث لجوانب Web 1.0 التقنية، ولكن إلى تغييرات في الكيفية التي يقوم بها مطورو البرامج ومستخدمو الإنترنت في التعامل مع الإنترنت. فهذا الجوهر الجديد Web 2.0 بمثابة ثورة اقتصادية في مجال صناعة الحاسوب نتجت عن النظر إلى الإنترنت باعتبارها منطلق Platform - وليس باعتبارها ساحة نشر، ومحاولة فهم قواعد النجاح في هذا المنطلق الجديد (6).

ولذا لم يعد من الممكن الحديث عن تلازم الإنترنت والمتصفح، بل أصبح الاتجاه الجديد أن كل التطورات الحاسوبية تراعي أن يكون شطر منها تشاركي.

إن فلسفة Web 2.0 لا تقوم فقط على اعتبار أن الإنترنت هي منصة في الأساس وليس مستودع نشر، بل يجاور ذلك عدة مكونات أخرى لرؤية Web 2.0 أهمها أن البيانات هي التي تقود عملية التجديد وبناء قالب المنصة الجديدة؛ في الوقت الذي يملك فيها المستخدم البيانات ويتحكم بها، كما أن الابتكار والتجديد داخل كل حزمة نظم والمواقع العاملة بها ينجم عن نوع من التشارك المقصود بين مجموعة كبيرة من مطورين البرامج المنتشرين في أنحاء العالم مع اتسامهم بدرجة عالية من الاستقلالية في عملهم بدون تبعية مؤسسية. ويرتبط بهذا النموذج من نماذج العمل وجود مفهوم مبسط للمشروعات الاقتصادية Business Models التي تمول هذه الحركة؛ وتقوم تلك المشروعات على أساس الاستفادة من المحتوى أو من الخدمات التي تحملها المواقع. كما أن هذه المواقع تعتمد على مجموعة من البرامج تزود بها زوار الموقع باعتبارها دوما النسخة المبدئية والتي تظل مبدئية مهما تطورت؛ وهو ما يعني أن مستخدمي هذه المواقع لن يجدوا حاجة لشراء أي برنامج ولا تكبد عناء البحث عن مفاتيح مزورة له. كما أن البرامج التي تستخدم في هذا الصدد تجد ربحها من خلال اتساع نطاق العلم بها خارج الدائرة الفردية (المنظمات الاقتصادية والطوعية والحكومية) (7).

وفي هذا الإطار يمكن أن نشير إلى خصائص البث على الإنترنت في إطار Web 2.0 بدءا من تلك الروح الأساسية في حقبة Web 2.0 المتمثلة في التشبيك Networking الذي تعتبره غايتها الأساسية، حيث إن الأساس في هذه الحقبة ربط التطبيقات المختلفة بالشبكة والسماح للمستخدم باستعمالها لأغراض التواصل العميق وليس فقط الاتصال؛ وهي من أهم خواص هذه الحقبة. ومن ناحية ثانية، فإن المحتوى – أيا كان يعد ملك لمن بثه أونلاين، ويمكن له التعديل في خصائص عرضه كيفما شاء. ومن جهة ثالثة، ثمة خاصية الديمقراطية التي تتيح لمتلقي أي محتوى بالتعاطي معه إيجابيا وليس فقط تلقيه، عن طريق التعقيب عليه أو نقده من خلال استخدام نص أو بأي من الوسائط المتعددة، أو حتى برابط. ومن زاوية رابعة نجد أن ثمة ارتفاع في درجة اليسر والسهولة في التعامل مع واجهات البرامج التي تدير علاقة المستخدم بالإنترنت، تلك البرامج المعتمدة على تقنيات تبسيطية مثل Ajax وما شابهها (8). ويحاول البعض إضافة التطورات التقنية في مجال الجرافيك، وهذا محتمل كعنصر مكمل، لكنه ليس عنصرا حاسما في بناء فلسفة Web 2.0.

2 - الجيل الثالث للإنترنت Web 3.0: ظهر هذا المصطلح للمرة الأولى في عام 2006 في مقال منشور بأحد مدونات الخبراء الناشطين في مساحة الإنترنت: جيفري زيلدمان في معرض تقديم رؤية نقدية النقاشات المثارة حول Web 2.0 والتقنيات المرتبطة بها مثل تقنية أجاكس المشار إليها سلفا (9).

وفي المنتدى الرقمي بالعاصمة الكورية سيول، والذي عقد في مايو 2007، طلب الحضور من المدير التنفيذي المسؤول بشركة جوجل: إيريك شميدت أن يوضح الفوارق بين Web 2.0 وWeb 3.0، وكانت إجابته فيما يتعلق بالمسمى Web 3.0 أنها طريقة جديدة لبناء تطبيقات الحاسوب، وأنه يرى أن Web 3.0 إن هي إلا مجموعة من التطبيقات المجمعة في إطار واحد، حاملة مجموعة من الخصائص المتمثلة في الصغر النسبي لحجم هذه التطبيقات، والقادرة على أن تنتصب وتشتغل في أي بيئة إليكترونية: كالحاسوب أو الهاتف الجوال أو المساعدات الشخصية الرقمية PDA، وتكون في الوقت نفسه سريعة جدا وقابلة للتكييف وفق رغبة مشغلها، معتمدة في توزيعها وتسويقها كمنتج على زيادة الوعي بها والانتشار من خلال ترابط الشبكات المختلفة الموجودة على الإنترنت؛ مما ينفي الحاجة لتخزينها وشرائها، وهذا نموذج جديد لتداول برامج الحاسوب Different Application Model. وفوق هذا كله نجد هذه البرامج تستوعب طوفان البيانات الذي يجري صبه فيها (10).

وفي كتابات غيره من الخبراء، نجد أن كلمة Web 3.0 تمثل مصطلحا يطلق لتوصيف تطور مختلف حيال استخدام الويب والتفاعل في إطارها على أصعدة مختلفة، على رأسها عملية تحويل WWW إلى قاعدة بيانات هائلة، وتلك ليست سوى خطوة باتجاه تعظيم قدرة التطبيقات الحاسوبية المختلفة ومنتجات الذكاء الصناعي على الوصول للمحتوى بالغ الوفرة على الإنترنت، والذي تصل وفرته لدرجة السيولة التي تعوق سهولة الوصول لمحتوى ذي خصائص نوعية. هذا بالإضافة لما في ذلك من إمكانات تسويقية عالية (11). ويعتبر البعض منهم أن المواقع التي تعتمد تقنية الأبعاد الثلاثية مثل Second Life وVirtual Realm وDisney s Toontown وVirtual Ibiza وغيرها من المواقع تتبع هذه الحقبة من الويب.

ويرى طائفة مهمة من الخبراء أن Web 3.0 هي جيل جديد بمفهوم نوعية المحتوى وليس بمفهوم نوعية التقنية. وفي هذا الإطار يذهب أليكس إيسكولد إلى أن الشبكة العنكبوتية تضم اليوم قدرا من المعلومات والبيانات تجاوز في حجمه إمكانية القياس بالميجابايت أو الجيجابايت ليقدر بمقياس التيرابايت، وهو ما جعل المعلومات النفيسة تختبئ بتشفيرها ولغاتها المتباينة عن حواسيب مستخدمي الشبكة. ويرى أن Web 3.0 كاتجاه من اتجاهات الويب الذكية Semantic Web قادرة على تغيير هذه الحقيقة، حيث إن المواقع الكبرى لن تكون إلا تلك المواقع التي تقدم خدمات الويب، وستكون قادرة على استخلاص المعلومات الثمينة المختبئة داخل الشبكة العنكبوتية ونشرها على العالم. ويرى أليكس أن التحول في أداء المواقع وطبيعة محتواها سيكون في أحد اتجاهين. حيث يرى أن بعض المواقع سيسير في الاتجاه الذي يمثله مواقع مثل موقع أمازون Amazon أو موقع ديليشس Del.icio.us أو موقع فليكر Flickr حيث تمنح زوارها خدمات مختلفة وفق تقنية REST API (تقنية تستخدم لغة Xml للتعامل مع قواعد البيانات ونظام الشراء الإليكتروني). وبعض المواقع الأخرى سوف تحاول الحفاظ على ملكية معلوماتها؛ لكنها ستجعلها قابلة للتعامل معها عن طريق تقنية Mashups (وهي تقنية تقوم على لغة تستمد المعلومات من أكثر من قاعدة بيانات لكنها تعمل على جمعها ضمن أداة عرض واحدة)؛ ومثالها مواقع مثل موقع دابر Dapper التسوقي، أو موقع تاكيلو Taqelo الذي يمكن اعتباره منظم عمل متطور قائم على التشبيك الموجه، أو بعض الصفحات الفرعية الخاصة داخل موقع ياهو ومنها ياهو بايبز Yahoo Pipes وهو موقع لتجميع الإفادات من الإنترنت بواسطة إعدادات يقوم بها المشترك في موقع ياهو. هذان الطريقان سوف يجعلان من المعلومات المتناثرة على الإنترنت صورة أخرى من المعلومات المعروضة بصورة منهجية متماسكة؛ ممهدة الطريق نحو منظومة حوسبة أكثر ذكاء (12). وهذا ما نراه أكبر القيم المعبرة عن حقيقة Web 3.0.

ج - الإنفوميديا والتقارب الإعلامي: منذ منتصف التسعينات والخبراء يتحدثون عن ثورة الاتصالات والمعلوماتية، وكان الجميع ينظر للإنترنت من طرف خفي باعتبارها صاحبة الفضل في شيوع حالة اليسر الاتصالية والوفرة المعلوماتية النسبية التي كانت آنذاك. ومع تطور الإنترنت بدأ الناس يتحدثون عن الإعلام الجديد ودلالاته وتداعياته على حياتنا. واليوم نتجاوز بحالة الإنفوميديا هاتين الحقبتين المجازيتين لندخل إلى حقبة جديدة يحدث فيها تقارب متسارع بصورة قوية في مجال البنية التحتية لوسائل الاتصال. لم يعد الأمر إذا محض تطور الإنترنت من النص إلى المالتيميديا، ولا انتقال من مرحلة الإعلام أحادي الاتجاه إلى الإعلام التفاعلي ذي الاتجاهين وباستخدام أدوات الصوت والصورة، بل صرنا نتحدث عن سيولة اتصالية بكل ما تعنيه كلمة سيولة من معنى، ناهيكم عما يعنيه هذا من وفرة معلوماتية (13).

قوام المرحلة التي نعيشها اليوم أنه لم تعد ثمة فوارق بين وسائل الإعلام ووسائل الاتصال. ولم يعد ثمة انفصال بين وسائل الاتصال. أما تماهي وسائل الإعلام والاتصال فيرجع إلى أن التليفزيون صار يستخدم للدردشة والاتصال، وهو ما يعرف بالتليفزيون التفاعلي. وبالعكس صار الهاتف يستخدم كوسيلة إعلامية عبر رسائل المالتيميديا وخدمة التليفزيون الجوال الذي غزت تطبيقاته العالم. غير أن ذلك رهن بالجيل الثالث من أجهزة الهاتف النقال (14).

وأما عن الخاصية الثانية للإنفوميديا فيرى الباحث وسام فؤاد أن قوامها عدم انفصال وسائل الاتصال/الإعلام أو انقطاعها عن بعضها. فالحاسوب اليوم يتصل بمنتهى اليسر بالتليفزيون والراديو والهاتف النقال والإنترنت. والتليفزيون به إمكانات التواصل مع الإنترنت، ويمكن تلاقي الناس عبره مع بعضهم حتى لو كان بعضهم يستخدم الإنترنت، أو يستخدم الهاتف النقال للدردشة النصية. كما يمكن تزويده بخواص الشبكات اللاسلكية المحدودة المغلقة، وبضغطة زر من حاسوبك يمكنك الاتصال بأي حاسوب أو جهاز اتصال أو تليفزيون موجود على سطح الكوكب ضمن خدمة دولية مضمونة بضوابط جودة (15).

ولا يقف الأمر عند هذه الحدود. فهذه الثورة الاتصالية وذلك التقارب بدأ يجد حضوره الإعلامي عبر قنوات تتسم جميعها بارتفاع درجة توفر المعلومات وتيسير بثها والحصول عليها، وارتفاع درجة التنافسية بين الوسائل الإعلامية المهنية وغير المهنية فيما يتعلق بالاقتراب من الحدث وفيما يخص الصدقية. وكل ذلك سنتلمس آثاره في حديثنا عن تداعيات هذه الثورة وذلك التقارب.

و – إطلالة خاصة على المواقع ثلاثية الأبعاد: تكاثرت المواقع التي تعتمد البيئة التقنية ثلاثية الأبعاد؛ متأثرة باتجاه جديد للوجود الافتراضي عبرت عنه حركة تسمى Cyberpunk Literary Movement والمتأثرة بصفة خاصة بتلك الرواية التي أنتجها نيل ستيفنسون المسماة تحطم الجليد Snow Crash والتي ألهمت أكثر من جهة للعمل في مجال المواقع المتخيلة ثلاثية الأبعاد، منها Second Life وDisney s Toontown. وهي ظاهرة تنمو باطراد (16). ويعد موقع Second Life أبرز المواقع المعبرة عن هذه الموجة، وهو ما يبرر الحديث عنه بصورة تعتبره أنموذجا لذلك العالم المتنامي.

إن تلك الإمبراطورية المسماة Second Life لا تعدو أن تكون عالما متخيلا تفاعليا مبنيا على تطبيقات الإنترنت، وقد طورته شركة ليندون لاب Linden Research, Inc وأطلقته في عام 2003، وسلطت وسائل الإعلام الضوء عليه في أواخر عام 2006 مع قيام وكالة رويترز للإعلام بافتتاح مكتب لها هناك بعد أن لاحظت درجة الاهتمام الفعلية به متمثلة في أعداد أعضائه ومقدار ما ينفقون فيه من أموال. وقد كان هدف شركة ليندون لاب أن تقوم بإنتاج بيئة تماثل تلك البيئة التي رسم نيل ستيفنسون ملامحها في روايته التي أشرنا إليها سلفا. تلك البيئة يتحقق الرابط بينها وبين مستخدم الشبكة من خلال برنامج وكيل يوصل المستخدم بالموقع. ويعمل موقع Second Life - وأمثاله من المواقع التخيلية - عن طريق مثل تلك البرامج التي تسمى برامج وكيلة Client Programs يتم تنصيبها في أجهزة الحاسوب؛ فتتيح لمستخدمه دخول هذا العالم، ومن ثم اختيار شكل إنساني كامل يعبر عنه أو عن أحلامه؛ ليبدأ بعدها في ممارسة النشاط الاجتماعي (إعلامي – سياسي – ثقافي – اقتصادي.. إلخ) الذي من أجله دخل هذا العالم، ويقيم شبكة علاقات اجتماعية جديدة قد تحاكي أو تخالف شبكة علاقاته في العالم الحقيقي. ويوجد بهذا الموقع عملة افتراضية تمسى "دولار ليندون"، ويمكن مقايضتها بكل العملات العالمية من الأسواق المختلفة وبخاصة في الأسواق الأمريكية والأوربية التي يمثل سكانها الغالبية الساحقة من المشتركين في Second Life والمقيمين به (17). والطريف أن الأسبوع الأخير من أكتوبر 2007 شهد شراء شبكة CNN مكتبا لها هناك ينتظر افتتاحه بحلول الخامس من نوفمبر 2007 (18).

وينظر البعض لموقع Second Life باعتباره لعبة، لكن تلك التسمية مخادعة. فهذا الموقع ليس به نقاط يجري اكتسابها وليس به أرقام تسجيل المكاسب Scores، وليس به رابحون وخاسرون، وليس مستويات للعب، ولا يتضمن إستراتيجية لعب، ولا يتضمن أي من الخصائص التي تميز مفهوم اللعبة Game بتطبيقاتها ونظرياتها المختلفة (19).

ووفقا لإحصاء موقع Second Life؛ فإن إجمالي المقيمين بعالم Second Life بلغ في 31 أكتوبر 2007، حوالي 10 مليون و600 ألف مقيما، يتواجد منهم على مدار الساعة ما متوسطه 8000 مقيما. وبلغ حجم التعاملات الآنية في هذا الموقع حوالي 3,567,766,213 دولارا ليندونيا، وقد صار لهذه العملة بورصة خاصة على الموقع تتيح البيع والشراء. وهو ما يعكس حجم الإقبال على هذا الموقع وحجم الجدية التي يتمتع بها حضوره اقتصاديا (20).


ثانيا: ما بعد التدوين.. المفهوم والدلالات

مصطلح ما بعد التدوين هو مصطلح صكه الباحث للتعبير عن مرحلة جديدة على صعيدين اثنين، نجملهما تاليا:

أ – هي تعبير عن تطور نوعي حدث في المساحة التعبيرية التي صارت متاحة لكل مستخدمي الإنترنت بعد التطورات التي حدثت في مجال البنية التحتية للإنترنت.

ب – هي أيضا تعبير عن تطور جديد في مجال العمل الإعلامي في علاقته ببيئته الاجتماعية.

ولكي نتعرف على ملامح ما بعد التدوين لابد لنا من الوقوف على طبيعة البيئة الإعلامية التي أنتجتها تلك التطورات في مجال البنية التحتية للإنترنت، وذلك في السطور القادمة.

بداية لابد لنا من التمييز تحليليا ما بين ذلك الشق من الإنترنت المبني على أن الإنترنت وسطا أو بيئة؛ وذلك الشق الذي تكون فيه الإنترنت وسيطا إعلاميا. فقد حدث تطور في كل شق على حده، إلا أن التطورات الأخيرة جعلت الحالة الإعلامية المتخصصة تخلط بين الشقين، فيما يمكن تسميته بتجديد أدوار الوسيط الإعلامي النهائي المسمى بالإنترنت في ثوبها الجديد. فمهما كنا نتحدث عن Web 2.0 أو Web 3.0 فإننا في النهاية نتحدث عن تلك الوسيلة الاتصالية والتواصلية التي تطورت خلال السنوات العشرين الأخيرة من مجرد وسيط نشر متجاوز للحدود وحتى كونه وسيلة تواصل فعالة إلى جانب كونه وسيلة اتصال. وهو ما يرشحها لتكون بيئة الاتصال والتواصل المثلى التي تسعى كل سبل الاتصال أو التواصل لمحاكاة بيئتها والتطور باتجاهها؛ لتصير الإنترنت في النهاية هدف التليفزيون والهاتف الجوال والمساعدات الشخصية بالإضافة للحواسيب بأشكالها المختلفة المحمولة والثابتة.

غير أننا عندما نتعامل مع هذه التغيرات المفاهيمية يصعب علينا أن نفصل في تأثيراتها بين ما تنتجه من تداعيات على صعيد الإنترنت كوسط والإنترنت كوسيط، ومع ذلك؛ فلابد من الوعي بالفارق بين المستويين لأنه سيكون جليا وواضحا في بعض المساحات التي سيشتبك فيها الشقان.

ولا شك في أن التداعيات الحادثة جللة، وأن الإحاطة بها في مقام كهذا المقام وورقة كهذه الورقة سيكون صعبا لا محالة. والعزاء أن تحاول الورقة تقديم ما يقع في منظور القائمين عليها موقع الأهمية الظرفية ذات الأولوية. وفيما يلي نعرض لتداعيات هذه التغيرات.

أ – إعلام متعدد الاتجاهات: سبق وأشرنا إلى أن ما بعد التفاعلية كخاصية لحقبة الإنترنت الجديدة قد نقلت زوار الإنترنت من حقبة استهلاك المحتوى الإعلامي إلى حالة إنتاج هذا المحتوى (22). ويشير تقرير نادي دبي للصحافة إلى أن من أم تلك التغيرات تحول نمط التدفق الإعلامي من نمط تدفق في اتجاه واحد One to Many إلى نمط تدفق متعدد الاتجاهات Many to Many، واعتبره نمطا جديدا يضاف إلى أنماط التوزيع التقليدية، وإلى نمط التوزيع حسب الطلب الذي جرى تقديمه مؤخرا. ويرى التقرير أن نمط التوزيع الجديد يسمح بتوزيع كل من المحتوى المهني (الذي تمثل قضية حقوق الملكية الفكرية قضية حيوية بالنسبة له) بالإضافة إلى ذلك المحتوى الصادر عن المستخدمين والذي يتراوح إنتاجه ما بين النص العفوي وتقنية الفيديو الصادرة عن كاميرا رقمية رخيصة الثمن (23).

وبمعنى آخر، فإن ملايين المدونات؛ بتلك اللغات المتباينة المتعددة، بما تحويه من محتوى نصي أو صوتي أو محتوى فيديو أضيفت لمساحة المحتوى الذي يتعرض له مستخدم الإنترنت يوميا، ولم يعد الأمر قاصرا على تلك المواقع الرسمية أو تلك المواقع التي تعبر عن مؤسسات إعلامية صار لها اتجاه محدد وموجه لا تحيد عنه.

ولابد من التأكيد على أن الاتجاه لتحويل الإنترنت لنمط قواعد بيانات يستند لسيرفرات ضخمة ورخيصة التكلفة، مع تطور الآليات الاقتصادية لاستثمار مثل هذا الوضع New Business Models قد جعل ثمة إمكانية لأي فرد أو جماعة بشرية أن يقوموا بنقل الأخبار والمعلومات التي يراد لها التعتيم، بل ويقدموها معززة بأدلة صوتية وفيديوية تكسبها المصداقية، وتصنع بمرور الأيام اسما تجاريا مشهورا Branding Name يكون له درجة عالية من المصداقية التي تزاحم مصداقية المؤسسات الإعلامية المهنية.

ولا شك في أن هذا يعني فيما يعني أيضا تحول المستقبل الإعلامي تاريخيا باتجاه الإنترنت باعتبارها الوسيلة التي تقدم منافذ إعلامية ذات قدرة على الاستمرار والصمود، مع رخص التكلفة من ناحية ثانية، وارتفاع الإمكانيات من ناحية ثالثة.

ب – مفهوم المواطن الصحافي: وقد ارتبط بتلك المرحلة ما عرفه المراقبون والمتخصصون باسم صحافة المواطن؛ ويعرف أيضا باسم Public or Participatory Journalism هو دور يؤديه المواطن الذي يلعب دورا فعالا في عملية جمع وتصنيف وتحليل وصياغة المعلومات والأخبار. ووفقا لتقرير We Media نصف السنوي الذي يصدره مركز الإعلام Media Center التابع للمعهد الأمريكي للصحافة The American Press Institute، فالمفهوم يعني تلك الكيفية التي يصوغ بها الجمهور مستقبل تداول الأخبار والمعلومات. وقد أعد كل من شين بومان وكريس ويليس دراسة ضمن تقرير النصف الأول من عام 2003 يرون فيها أن الغرض من هذه المشاركة الإعلامية توفير تلك المعلومات المستقلة والدقيقة التي تحتاجها الديمقراطية فيما يتعلق ببحث القضايا التي تحتاج توفر معلومات ذات صلة ويمكن الاعتماد عليها (24). وهذا المصطلح لا يجب الخلط بينه وبين مصطلح الصحافة المدنية، تلك التي يقوم بها الصحافيون المحترفون. صحافة المواطن هي جزء من محدد من مفهوم إعلام المواطن citizen media مثله في ذلك مثل مصطلح المحتوى الذي يبتكره المواطن (25).

وقد صنفت الباحثة الإعلامية جيه دي لاسيكا المحتوى الذي يقدمه المواطن الصحافي إلى 6 فئات تتمثل فيما يلي (26):

* مشاركة الجمهور المتلقي (مثل تلك التعليقات التي يكتبها المواطن استجابة للقصص الإخبارية، والمدونات الشخصية، وتلك الصور محدودة الكفاءة التي التقطها الأشخاص بكاميرات هواتفهم الجوالة، وتلك الأخبار المحلية التي يكتبها شخص مقيم ضمن مجتمع ما من المجتمعات).
* المواقع الإخبارية والمعلوماتية المستقلة (مثل تقارير المستهلكين أو تقارير السخرة في العمل Drudge Report).
* المواقع الإخبارية ذات المعالجة الناضجة (مثل موقع OhmyNews International).
* المواقع الإعلامية التي يشترك أصحابها في إنتاج محتواها أو تطوعوا لإنتاجه Collaborative and contributory media sites.
* الأنواع المختلفة من الإعلام الارتجالي أو المسمى Thin Media (المجموعات البريدية والنشرات الإخبارية).
* المواقع الإذاعية الشخصية.

هذا التحدي ذو طابع إعلامي وليس تقنيا. ويمكن اعتباره نوع من تنامي البنية الفوقية الإعلامية المترتب على تلك التطورات التي حدثت في مجال البنية التحتية المرتبطة بالإنترنت، مثل Web 2.0 وWeb 3.0.

ج - إعلام نمط الحياة: في إطار الحديث عن Web 2.0 أشار تقرير مؤسسة برايس ووترهاوس إلى نمط جديد من الأنماط الإعلامية المتمثلة في "إعلام نمط الحياة" أو Lifestyle Media. لتشير به إلى موجة جديدة من أنماط الإعلام تعبر عن الخبرة الإعلامية الشخصية ضمن سياق اجتماعي. ويشير تقرير نادي دبي للصحافة لعام 2006 إلى أن المستخدمين الإعلاميين النافذين الذين يتفاعلون مع الشبكات الاجتماعية على Web 2.0 يطلبون منتجات إعلامية تسمح لهم بزيادة القيمة المستفادة من المحتوى الإعلامي المتنوع ضمن وقت الفراغ المحدود المتاح لديهم (27).

فمرتادو الشبكات الاجتماعية المختلفة والمتعددة لهم مشارب واهتمامات مختلفة، وبعضهم يرى أن هذه الاهتمامات لا تجد لها التغطية الكافية التي تلبي كافة احتياجاتهم كافة الأنشطة التي يقومون بها وكافة المساحات الموضوعية التي يهتمون بها، وهو ما يدفعهم لتقديم محتوى يخصهم وحدهم، وربما يمكنهم نقله لغيرهم.

ويوضح الخبراء أن هذا النمط من الأنماط الإعلامية وفق هذا التوضيح عاليه يتسم بسمتين هامتين تتمثل أولاهما في أن هذا النمط يعطي المستخدم القدرة على اكتشاف أو تقديم محتوى جديد، وتتمثل ثانيتهما في أن هذا النمط يتيح للمستخدمين اختيار كيفية توزيع هذا المحتوى (28). فهذه النشاطات الخاصة بالمستخدمين – سواء أكانوا مجموعة علماء أم مجموعة من الساسة أصحاب وجهات النظر الجديدة موضع التضييق أو كانوا مجرد جماعة رفاق (شلة) - تقدم لهم خيارات جديدة تندرج ضمن دائرة اهتماماتهم وتمكنهم من تحديد طريقة قضاء الوقت المحدود المتاح لديهم.

د - تراجع إمكانيات التعتيم: سبق أن أشرنا لمدى تأثير المرحلة ما بعد التفاعلية على الإنترنت كوسيط إعلامي وما ارتبط به من توسيع نطاق إنتاج المحتوى الإعلامي. والقيمة المضافة الجديدة في هذه المساحة أن إمكانيات التعتيم على هذا المحتوى صارت بعيدة المنال.

فمن ناحية، يمكن القول بأن اندراج الإصدارات الإعلامية الجديدة تحت اسم نطاق لا صلة له باسم نطاق خاص باتجاه أو تيار يجعل من المستحيل منع أو حجب هذه الإصدارة الإعلامية من دون التأثر بالتعامل مع الموقع الكبير الذي جعلت أنظمة التكويد فيه هذه المهمة أقرب للاستحالة العملية. ويمكن القول بأن خبرة التعاطي الأمني مع ظاهرة الإرهاب الخطيرة كشفت عمق هذه الأزمة حيث انتقلت المواجهة من جهة حظر المواقع إلى مساحة أخرى من الصعب فيها مواجهة الأمر بسبب انتقاله إلى مساحات المواجهة عبر قنوات المدونات من جهة وقنوات استضافة الفيديو الرقمي (29).

ومن ناحية ثانية، فإن الجيل الجديد من المدونات على سبيل المثال يستوعب تقنية تصدير واستيراد المحتوى (30)، بما يعني أن منع موقع ما من مواقع المدونات سيعني إمكان انتقال هذه المدونة بنفس محتواها القديم إلى موقع آخر بضغطة زر. وهو ما يقف حائلا دون إمكانية المنع أو الحجب. وهذه الإمكانات تستند لمنطق تحويل الإنترنت إلى قاعدة بيانات وهو ما ألمح إليه الخبراء في الحديث عن Web 3.0.

ومن ناحية ثالثة، فإن تحول الإنترنت باتجاه قواعد البيانات سيجعل من الصعوبة بمكان السيطرة على المحتوى الخاص بها، وبخاصة مع تزايد الاتجاه نحو إنتاج التطبيقات التي تعتمد لغة MashUps التي تجمع البيانات المخزنة بصورة مستقلة لكنها تدمجها مع بعضها البعض في آليات عرض قائمة على ما يقارب مناهج نظم الخبرة المعروفة في تصنيف وعرض البيانات (31).

هـ – المستقبل الإعلامي بين المنافسة والصدقية: دخلت ظواهر إعلامية جديدة حيز المنافسة مع وسائل الإعلام قاطبة بصفة عامة، ومع البث الذي تبثه القنوات الفضائية وشبكات الكابل، وكذلك تلك المواقع الإذاعية الشهيرة الموجودة أونلاين، بالإضافة لمواقع الصحف البارز أونلاين. وأبرز مساحات المنافسة تلك ما نراه من المدونات والمساحات الخاصة التي توفرها المواقع الكبرى مثل My Space وGoogle وYahoo، ويضاف إليها محطات إذاعات الإنترنت الخاصة والمحدودة التي يمكنها بواسطة برنامج صغير مثل Jet Audio أو غيره أن توفر بثا منتظما بمجرد توفر القدرة على استئجار مساحة محدودة على سيرفر، بالإضافة لمواقع بث الفيديو التي بدأت تشتهر وتكثر مثل You Tube أو MetaCafe وغيرها، بالإضافة إلى ظاهرة المنتديات، فضلا عن استمرار الشكل البدائي لما بعد التفاعلية المتمثل في القوائم البريدية والمواقع المجانية (32). هذه الصور التنافسية الجديدة بدأت تحد من درجة مصداقية البث الفصائلي المتحزب أونلاين، وتوفر سبل هز هذه المصداقية من خلال وسائل ملموسة من المحتوى الإعلامي تصل لدرجة التوثيق المرئي عبر تقنيات الفيديو؛ بما في ذلك التقنيات الرخيصة.

وفي المقدمة المفاهيمية تعرضنا لمفهوم الإنفوميديا وما أنتجه من تقارب بين وسائل الاتصال المختلفة، وهو ما أعطى لوسائل الاتصال غير الإعلامي كالهواتف الجوالة أدوارا إعلامية. ففي الجيل الثالث من الهواتف المحمولة هناك مجموعة من البرامج التي تتيح لصاحب الهاتف الجوال أن يكون وسط الأحداث فيقوم بتصوير مجموعة من مشاهد الفيديو أو الوثائق أو الصور؛ ثم ينقلها بضغطة زر إلى مدونته الموجودة على الإنترنت ليراها الناس لحظة حدوثها (33). وهذه التقنية ليست بدعا من أصحاب شركات الهواتف الجوالة، بل تم هذا بالتنسيق ما بين شركات إنتاج الهواتف الجوالة وشركات إنتاج التطبيقات الحاسوبية والشركات الراعية لبعض مواقع المدونات بحيث تتيح بعض مواقع المدونات للمشتركين أصحاب المدونات أن يجروا بعض الإعدادات الخاصة لمدوناتهم لتزويدها عبر الهواتف النقالة (34).

6 - تطور خريطة تدفق العمل الصحافي: يمكن القول بان عملية التحرير الصحافي في المؤسسات الصحافية الورقية أو الإليكترونية كانت تتم وفق المتسلسلة التالية (35):

* التخطيط لتغطية الخبر (المتوقع والمتابع) أما المفاجئ فلا يخطط له، ويتم ذلك من خلال تحديد محاور الخبر ونقاطه الرئيسية، وجمع الخلفيات المتعلقة به من قسم المعلومات أو من أرشيف المحرر الصحفي الخاص به.
* جمع المعلومات من المصادر المختلفة البشرية والوثائقية.
* التقاط الصور الفوتوغرافية المناسبة للخبر بواسطة المحرر أو المصور الصحفي.
* مراجعة المادة الصحفية المكتوبة والمصورة واستكمالها، ووضع خلفيات للحدث يمكن من خلال الضغط على كلمة معينة داخل النص استدعاء مواد أخرى ذات صلة بالخبر المنشور وذلك حال الصحف الإلكترونية.
* تقييم المادة الصحفية المكتوبة والمصورة وتحديد صلاحيتها للنشر بواسطة المحرر المسئول، أو غيره حسب خط سير النص الصحفي داخل الوسيلة المعنية بالنشر.
* تجهيز الرسوم اليدوية التعبيرية والتوضيحية والساخرة التي سوف تصاحب الموضوعات أو تنشر بمفردها.
* اختيار البناء الفني للنص الصحفي: أي تحديد شكل المادة الإخبارية المخطط لنشرها (مقال – تحقيق- خبر – حوار- تقرير- فلاش – بانر- ساحة حوار).
* التحرير النهائي للنص الصحفي.
* المراجعة النهائية للنص الصحفي المحرر.
* التقييم النهائي وتحديد أولويات النشر.

غير أن تغير الأنماط الإعلامية جعل هذه المراحل الخاصة بالعمل الإعلامي المهني الكلاسيكي تقليدا مهنيا ربما لن يصمد كثيرا أمام المتغيرات الإعلامية المرتبطة بضرورة ملاحقة الحدث أونلاين. وقد سبق أن أشرنا إلى أنماط الإنتاج الإعلامي الخاصة بمفهوم المواطن الصحافي، والتي يمكن الإشارة إليها سريعا فيما يلي (36):

* مشاركة الجمهور المتلقي.
* المواقع الإخبارية والمعلوماتية المستقلة.
* المواقع الإخبارية المتخصصة ذات المعالجة الناضجة.
* المواقع الإعلامية التي تشارك أصحابها في إنتاج محتواها أو تطوعوا لإنتاجه.
* الأنواع المختلفة من الإعلام الارتجالي أو المسمى Thin Media (المجموعات البريدية والنشرات الإخبارية).
* المواقع الإذاعية الشخصية.

ويختلف إنتاج المحتوى من وسيلة لأخرى من هذه الوسائل. ولا شك في أن المواقع الأكثر نضجا في إنتاج محتواها الإعلامي قد توكل عملية إنتاج هذا المحتوى لمتطوع ذو خبرة يقترب كثيرا من هذه التقاليد، وربما كان بعض المواقع المندرجة تحت لافتة غير ناضجة يصدره من له خبرة بالعمل الصحافي مثل كثيرا من المدونات العربية التي يصدرها صحافيون ينشرون بها ما لا يجد طريقه للنشر بالصحف العادية (37).

غير أن اعتبار العفوية غالبا ما يكون مهيمنا على العمل المندرج تحت مفهوم صحافة المواطن، ولكنه مع ذلك يحوز على مصداقية عالية (38). ولعل درجة الإقبال العالية على مدونة مثل مدونة الوعي المصري، وحصول صاحبها وائل عباس على جائزة عن مجمل أعماله لكشف الفساد خلال عام 2005 - 2006 من "المنظمة الأفرومصرية لحقوق الإنسان"، بالإضافة لفوزه بجائزة "نايت الدولية للصحافة" لعام 2007 يمثلان مؤشرا على درجة الصدقية التي يتعامل بها الزوار مع مثل هذه المدونة (39).

غير أن نموذج صفحة عيون المشاهد الذي تقدمه شبكة إسلام أونلاين يمثل درجة وسطى بين تقاليد العمل الصحافي وبين العفوية الصادرة عن المواطن الصحافي بتجليه الحقيقي. فهذه الصفحة تعمل بفلسفة تقوم على صنع ملفات مختلفة تقوم في إطارها باستقبال مساهمات زوار الموقع في صورة ملفات نصية مزودة بصور فوتوغرافية، حيث يتولى المحرر المسؤول بالصفحة انتقاء الصور وتحرير النص ليليق بالنشر في صفحة تتبع موقع إسلام أونلاين. وقد لاقت الصفحة نجاحا كبيرا آذن باتجاهها لتصبح موقعا مستقلا في الأمد القريب. كما تتجه الصفحة لتدريب المتميزين من زوارها عبر استثمار تقنية التدريب الإليكتروني التي يبرز فيها موقع إسلام أونلاين كأحد المواقع الرائدة في مجال التدريب الإليكتروني (40).

7 - وفرة المحتوى وسيولته: كما سبق ورأينا، في عرض أليكس إيسكولد، فإن مقدار المعلومات المخزنة على الإنترنت صار يقدر بالتيرابايت وليس بالجيجابايت، وهذا قدر ضخم جدا من البيانات (41). ولنا أن ننظر إلى الفلسفة الإعلامية التي تحكم العالم الإعلامي الذي نقبل عليه والذي سيدلنا على أن حجم المعلومات التي ننتظرها في المستقبل سيكون فلكيا بالنظر إلى الاتجاه نحو تحويل كل مستخدمي الإنترنت إلى منتجين للمحتوى الاتصالي، ولنا أن نتخيل تنوع هذا الكم ما بين محتوى معلوماتي سياسي أو اقتصادي أو اجتماعي أو ثقافي ديني وغير ديني، بالإضافة للمحتوى المعبر عن النشاط الاقتصادي التجاري والتسويقي والدعائي غير المعلوماتي، ويمكننا أن نضيف إليه الجانب الترفيهي الهائل؛ سواء منه ما كان مجانيا أو اقتصاديا. هذه المؤشرات تدلنا على حالة قوية من حالات السيولة التي تنتظرنا، والتي سيكون فيها من العبث الاستمرار في إنتاج المعلومات بدون التوقف للحظات لتقويم هذا المحتوى، وتصنيفه، والابتكار في الخدمات المتعلقة بالانتقاء منه، وإنتاج ما يراعي مواءمات هذا المحتوى للاحتياجات الفردية.

إن ما ستقودنا إليه تلك التطورات الحادثة في مساحة Web 3.0 أن نقيم أداء المواقع الإعلامية المختلفة في سياق ما تقدمه لنا من خدمات تيسير الحصول على المحتوى الذي نريد. وهذه النوعية من الخدمات هي التي ميزت محرك بحث جوجل Google في مجال البحث عن النصوص عن غيره من محركات البحث القوية، كما ميزت محرك البحث الخاص بموقع Yahoo وAll The Web فيما يتعلق بالبحث عن ملفات المالتيميديا. وفي هذا الإطار تظهر مواقع تتقدم في ترتيبها بسبب ما توفره من خدمة الفرز والانتقاء والتجميع مع تقديم خاصية تتعلق بلياقة المحتوى للفرد، ومنها ما أشار إليه الباحث أليكس إيسكولد من مواقع مثل Del.icio.us. ويمكن في هذا الإطار طرح خبرة صفحة "أجندة الفعاليات" التي تقدمها شبكة إسلام أونلاين في محاولة منها لإنقاذ الفعاليات المبثوثة أونلاين من أن تتوه في خضم هذا الكم الهائل من السيولة المعلوماتية. وسوف يكون لنا وقفة مع هذه الصفحة لاحقا. فمثل هذه الخدمات ستكون مهمة ومميزة للمواقع التي تقدم خدمات في مجال الإعلام الإليكتروني، ولا يمكنها أن تتجاهلها.

ولا شك في أن من بين المهام الأساسية التي يمكن في إطارها ضبط هذه السيولة حدوث تقدم نوعي في مجال الفهرسة الإليكترونية المسماة Folksonomy والتي تمثل اليوم عمودا فقاريا لجهود فهرسة وتجميع المواد المتناظرة والمتشابهة بسبيل تحقيق مزيد من توثيق وتنظيم المحتوى وتصنيفه بما يتيح للتطبيقات الحاسوبية أن تقوم بوظيفة التصنيف والانتقاء وتجويد عرض النفائس المخبأة (42).

8 – تطور الأدوار الاجتماعية للوسيلة الإعلامية: بالنظر لأنموذج إعلام نمط الحياة الذي أوردناه سلفا، يمكننا الإشارة لدرجة من التبدل يصيب أدوار المؤسسات الإعلامية، أو ربما هو نوع من التطور يصيب المؤسسات العاملة في مجال التنمية، بحيث يصبح لهذه المؤسسات جملة من الأدوار التي يتضافر فيها نمط العمل الإعلامي الموجه مع نمط التشبيك الاجتماعي التنموي. أو ربما تنشأ جماعة يكون لها هدفا تنمويا لكنها تتخذ الإعلام مدخلا لتعبئة الجمهور المحتمل خلف قضيتهم مهما دق حجمها.

وكان أحد الباحثين المشاركين بهذه الدراسة قد أجرى بحثا حول الجيل الثالث من المنتديات، مشيرا إلى خاصية مهمة لهذا الجيل تتمثل في المحدودية الجغرافية التي يعبر عنها هذا الجيل مع اهتمامه بقضايا تنموية بالغة الصغر تتعلق بالتوعية البيئية من قبيل قضايا كالنظافة والتنبيه لبعض الأخطار التي تنشأ في المنطقة التي تعبر عنها هذه المنتديات (43).

9 – إثراء الدراسات الإعلامية: بالنظر إلى أدبيات علوم الإعلام التي غالبا ما تكون فيها الأدبيات النظرية تبعا لتطور واستقرار العمل بالوسائل الإعلامية، فإن من المرتقب أن تسفر تلك التطورات عن حزمة جديدة من الاهتمام البحثي والأكاديمي بالنشاط الإعلامي أونلاين بصورة خاصة وفي أوساط الإنفوميديا بصفة عامة، وذلك في محاولة لاستكشاف قيم إعلامية جديدة ضمن هذا التدفق الإعلامي الوافر، أو محاولة ضبط هذا المنتج ببعض القواعد التي تزيد من "مهننته" Profissionalization وحرفيته؛ ومن ثم فاعليته وتأثيره.

10 – ما بعد التدوين: المحصلة الرئيسية التي رأيناها من استعراض مجمل المقدمات السابقة تتمثل في حدوث طفرة على صعيدين:

* الصعيد الأول يتمثل في التنامي الكيفي للمساحة التعبيرية التي أتاحتها الإنترنت الجديدة لمستخدمها. ويمكننا في هذا الإطار أن نتحدث عن تلك السعة الهائلة في الإمكانيات التي أعطيت لمفهوم المواطن الصحافي.

فإبان فكرة مفهوم المواطن الصحافي. كانت انعكاسات فكرة مفهوم المواطن الصحافي وفيرة لكنها لم تزل محدودة في حيز النص المكتوب، مع بعض الإمكانيات الخاصة بمساحة صغيرة للفيديو مع مساحة معينة للتصوير، يمكن القول بأن إمكانات الإنفوميديا قد أنمتها عبر آليات مثل Mobile Bloging. أما ما يحدث الآن من طفرة فيمكن أن يتجاوز واقع التدوين لصالح بناء منظومة قوية تتيح الاستفادة من خدمات الشبكة المختلفة، بحيث يمكن لمدونة صغيرة أن تستورد عدد كبير ذو وزن ضخم من أفلام الفيديو وملفات الصوت من تلك المواقع التي توفر خدمة استضافة هذه النوعية من الملفات مثل You Tube أو Foto Log، بحيث لم يعد ما لدينا من إمكانات هو نص يصحبه فيلم فيديو أو عدة صور مع إمكانية إرفاق هذا كله باستطلاع رأي محدود، بل صار لدينا حيز من تطبيقات الويب التي تستوعب بالإضافة لكل ما سبق إمكانية أن يضيف مطورو البرامج Web Developers عدد غير حصري من تطبيقات الويب الخفيفة ذات الصبغة الوظيفية التي تحتاج إليها الأعمال الإعلامية ذات الأهداف الاجتماعية.

ويمكن أن نختلس النظر إلى إمكانية متاحة الآن على شبكة الإنترنت تتمثل في موقع Face Book. فهذا الموقع يوفر إمكانيات نصية غير محدودة لزواره، مع إمكانية استضافة فيديو من أي موقع يستضيف الفيديو مجانا، أو أي موقع يستضيف أي من ملفات الصوت والصورة والفلاش. ولا يقف الأمر عند هذا الحد، بل نجد مزيدات برامجية غير محدودة، سواء اكانت بتقنية MashUps أو تقنية APIs ذات وظائف ترفيهية وتواصلية مختلفة.

وقد يظن البعض أن ما نتصوره من إمكانيات قد يقتصر على مواقع Face Book أو HI5 أو غيرها من مواقع Social Web. لكن هذا ليس صحيحا. هذه البرامج متوفرة من خلال موارد برمجية مفتوحة Open Sources، ويمكن تطويرها لاستيعاب وظائف جديدة ومحددة. بل إن موقع مثل Face Book – كما سبق ورأينا - يجد دعما غير محدود من أولئك المهتمين بالمصادر البرمجية المفتوحة ومطوريها.

والمصدر الثاني من مصادر قوة هذا الجيل من مساحة الاتصال والتواصل (21) يتمثل في إمكانية التشبيك العالية التي يتيحها، فهي تطبيقات ويب تعمل وفق منظومة WiKi التي تتيح أكثر من منفذ إدخال المحتوى، وتتيح إمكانيات التشارك في هذا المحتوى، سواء أكان التشارك مطلقا أم مقيدا. ولا يوجد سقف للتشارك، كما لا يوجد سقف لأشكال التشارك. فهناك الجيل الثاني من المجموعات البريدية، بالإضافة لإمكانيات استعراض العدد غير المحدود من المتشاركين لعدد غير محدود من مواد المحتوى. وكل ما تتطلبه فاعلية هذه الحالة التشبيكية القوية إيمان أحد أعضاء هذه الحالة بفكرة، ثم إقناع الناس بها ليبدأ تداولها في إطار تشبيكي.

* والصعيد الثاني يتمثل في تطور مجال العمل الإعلامي نفسه، ليصير بإمكاننا التحدث عن مرحلة جديدة من الإعلام الإليكتروني المنتمي. لقد رأينا من قبل تصنيفا للإعلام ما بين إعلام إخباري محترف وإعلام موجه، وهذا الصنف الثاني هو الذي نميل لتسميته بالإعلام المنتمي. والحالة التي نتصورها لمستقبل الإعلام على الإنترنت أنه سيتحول إلى وحدات صغيرة من الإعلام المنتمي، حيث لا يصير الإعلام الأساسي لمستخدم الإنترنت هو ذلك الذي يعرض الخبر أو المعلومة المتخصصة، بل سيصير الإعلام الأساسي بالنسبة لمستخدم المستخدم هو ذلك الإعلام الذي سيتلقاه عبر مجموعته الخاصة أو الـ Community الخاص به، وهي صورة ستكون قريبة لما نعرفه اليوم باسم إعلام نمط الحياة، حيث سيتحول كل شكل من أشكال الإعلام المنتمي إلى بناء المجتمع الخاص به، وبذلك يملك القدرة على الحشد والتعبير والتجييش لأجل الفكرة التي يؤمن بها.

وترجيحي إن ذلك الفتح في الموجة الجديدة من الإعلام الإنترنتي المنتمي سيكون من نصيب القطاع غير الحكومي بصورة أساسية، حيث ستلجأ إليه كل أطروحات التنمية المختلفة التي ستكون دوما في حاجة لبناء تجمع شبكي خاص بها لكسب التأييد عبر بنائها مجتمعها الخاص، ومن ثم تحقيق طموحاتها.

إن مثل هذه الحالة التي عرضناها يمكن أن تعتمد مبدئيا على المواقع المتاحة مثل Face Book أو My Space أو Hi5 أو غيرها من مواقع تطبيقات الويب التشاركية، لكنها أيضا يمكن أن تقوم على توظيف خاص لبعض المصادر المفتوحة من هذه البرامج وتطويرها. والميزة في البرامج المتاحة التي أشرنا إليها أنها مدعوة بمساحة تخزين هائلة متوفرة على الخادمات التي تستأجرها لا يمكن توفيرها لغيرها من المواقع الخاصة، كما أنها مواقع صعبة الحجب، ويمكن تبديلها في حال تعرضها للحجب بمواقع غيرها. لكن ربما تفضي التطورات التقنية الهائلة المتلاحقة إلى إنتاج واقع تقني جديد ترخص فيه مساحات السيرفرات المستأجرة، كما أفضت لتعذر عملية حجب بعض المواقع.

========
الإحالات المرجعية:
1 - Middle East & North Africa Statistics, Internet World Stats.
2 - Alex Simonelis, Histories of the Internet, Internet Society International Secretariat WebSite: ISOC, 28-Nov-2006.
3 - المرجع السابق.
4 - Wikipedia, the free encyclopedia: World Wide Web.
5 - موسوعة ويكيبيديا الحرة، مادة: ما بعد التفاعلية.
6 - Wikipedia, the free Encyclopedia: Web 2.0.
7 - William Brister, Web 2.0, EZine Articles web Magazine.
8 - Wikipedia, the free encyclopedia: Web 2.0.
9 - Michael Copeland Weaving the Semantic Web, Business2.com, July 3, 2007.
10 - Wikipedia, the free encyclopedia: Web 3.0.
11 - Heather Green A Web That Thinks Like You, Businessweek.com, July 9, 2007.
12 - Alex Iskold, Web 3.0: When Web Sites Become Web Services, Read/Write Web 19/03/2007.
13 - موسوعة ويكيبيديا الحرة: مادة الإنفوميديا.
14 - وحدة البحوث والتطوير بشبكة إسلام أونلاين، التطور في البنية التحتية للإنفوميديا، عدد مارس 2007، تقرير دوري غير منشور، ص: 12.
15 - المرجع السابق، ص ص: 13 – 14.
16 - Wikipedia, the free encyclopedia: Second Life.
17 - Wikipedia, the free encyclopedia: Second Life.
18 - Mike Shields, CNN Goes Virtual, MediaWeek, 29/10/2007.
19 - Wikipedia, the free encyclopedia: Second Life.
20 - Second Life Economic Statistics.
21 - مصطلح التقطه الباحث من مقابلة علمية أجراها مع الأستاذ توفيق غانم المدير العام لشركة ميديا إنترناشيونال صاحبة امتياز مشروع إسلام أونلاين.
22 - موسوعة ويكيبيديا الحرة، مادة ما بعد التفاعلية.
23 - تقرير نادي دبي للصحافة لعام 2006، ص: 20.
24 - Bowman, S. and Willis, C. "We Media: How Audiences are Shaping the Future of News and Information." 2003, The Media Center at the American Press Institute.
25 - Wikipedia, the free encyclopedia: Citizen Journalism.
26 - Lasica, J. D. "What is Participatory Journalism?" August 7, 2003, Online Journalism Review, August 7, 2003.
27 - تقرير نادي دبي للصحافة، عام 2006، ص: 23.
28 - المرجع السابق، ص ص: 23 – 24.
29 - يمكن على سبيل المثال مراجعة كم الفيديو المرتبط بأسامة بن لادن على موقع You Tube للتدليل على حجم هذه القضية، بالإضافة للمدونات الخاصة بالجماعات المنشقة المختلفة في الغرب ومن بينها الجيش الجمهوري الأيرلندي ومنظمة الباسك.
30 - يمكن في هذا الإطار مراجعة إمكانيات موقع المدونات البازغ Taking It Global التي تتيح مثل هذه الخدمة.
31 - Alex Iskold, Web 3.0: When Web Sites Become Web Services, Read/Write Web 19/03/2007.
32 - موسوعة ويكيبيديا الحرة، مادة: ما بعد التفاعلية.
33 - راجع على سبيل المثال صفحات الترويج للهواتف الجوالة من الجيل الثالث في مواقع الهواتف الجوالة المختلفة.
34 - راجع إمكانيات المدونات في موقع Vox.com.
35 - ليلى عبد المجيد ومحمود علم الدين، فن التحرير الصحفي للجرائد والمجلات، السحاب للتوزيع والنشر، 2004. مع اعتبار أن الإشارات الخاصة بالصحافة الإليكترونية مصدرها: فاطمة فايز، وحدة البحوث والتطوير بشبكة إسلام أونلاين، خصائص المعالجة الصحافية.. رؤية مقارنة بين الصحافة المطبوعة والصحافة الإليكترونية، تقرير غير منشور، سبتمبر 2007.
36 - Lasica, J. D. "What is Participatory Journalism?" August 7, 2003, Online Journalism Review, August 7, 2003.
37 - راجع على سبيل المثال مدونة "المواطن" التي تصدرها الصحافية إيمان عبد المنعم أو مدونة " أنا إخوان" التي يصدرها الصحافي المصري محمود عبد المنعم.
38 - راجع على سبيل المثال مدونة الوعي المصري.
39 - موقع الشبكة الدولية لتبادل المعلومات حول حرية التعبير، فوز مصري وبورمية بجائزة نايت الدولية للصحافة، صفحة: جوائز وزمالات، 18/09/2007.
40 - تقرير تقويمي سنوي تصدره الصفحة لمتابعة وتقويم الأداء فيها (غير منشور).
41 - Alex Iskold, Web 3.0: When Web Sites Become Web Services, Read/Write Web 19/03/2007.
42 - Wikipedia, the free encyclopedia: Folksonomy.
43 - وسام فؤاد، الجيل الثالث من المنتديات.. قراءة في الوظيفة الاجتماعية لظاهرة المنتديات المحلية، دراسة غير منشورة، القاهرة، 2006.


 

Tags: "وسام فؤاد", "wessam fauad", " ما بعد التفاعلية", نيوميديا, "electronic communication m..., "لإعلام الجديد" الجدي"د, "new media", " ما بعد التدوين" …

ما بعد التدوين.. دراسة استشرافية حول تأثير التطور في ال

  • Apr 2, 2008

وسام فؤاد


لكي نفهم التطور الذي ستنتجه الإنترنت على الإعلام المنتمي في إطار استشرافي؛ لابد لنا من أن نتفهم اتجاه تطور الإنترنت نفسها، حتى يتسنى لنا أن نعرف ماهية هذا التأثير وكيفيته. ولعل مما يساعدنا على بناء عناصر هذه الدراسة الاستشرافية أن بين ظهرانينا اليوم بعض صنيعها الذي يمكن منه استمداد سيناريوهات العمل الإعلامي المستقبلي. وفي هذا الإطار نتناول أولا تطورات البنية التحتية، ثم ثانيا منظومة تداعياتها في مجال الإعلام الجديد، ونختم هذا الجزء الثاني بظاهرة ما بعد التدوين؛ وهو البعد الاستشرافي الذي تحاول هذه الورقة رسم ملامحه بصورة تقريبية.


أولا: تطور البنية التحتية للإنترنت:

تعتبر الإنترنت وسيلة الاتصال الأسرع نموا في تاريخ البشرية. ففي حين احتاج الراديو إلى 38 عاما للحصول على 50 مليون مستخدم لاستقبال برامجه، احتاج التلفزيون إلى 13 عاما للوصول إلى العدد نفسه، فيما احتاج تلفزيون الكابلات إلى 10 أعوام. أما شبكة الإنترنت فلم تحتج سوى إلى 5 أعوام للوصول إلى ذلك العدد، وأقل من 10 أعوام للوصول إلى 500 مليون مستخدم(1). ويعرض للإنترنت في هذه الآونة جملة من التغيرات نحتاج معها للتعرف الموجز على مسيرتها ثم اتجاه تطورها والمفاهيم الجديدة التي تؤطر مستقبلها.

أ – إطلالة على تطور الإنترنت: في عام 1969، وبعد خروج النظم الشبكية من عالم البنتاجون الدفاعي العسكري، تم وضع أول أربعة نقاط اتصال لشبكة سُميت أربانيت في مواقع في عدة جامعات أمريكية منتقاة بعناية، حتى تم في عام 1972 إجراء أول عرض عام لشبكة أربانيت في مؤتمر في العاصمة الأمريكية واشنطن، وكان تحت عنوان "العالم يريد أن يتواصل"، مؤذنا برفع الستار عن هذه الوسيلة الجديدة من وسائل الاتصال والإعلام. وفي نفس العام تقدم راي توملنس باختراع البريد الإلكتروني لمكتب براءات الاختراع ليقوم بإرسال أول رسالة على أربانيت. وقبل أن ينقضي عام 1973 كانت كل من النرويج والمملكة المتحدة قد انضمتا إلى تلك الشبكة. وفي عام 1974، تم نشر تفاصيل بروتوكول التحكم بالنقل TCP؛ وهي إحدى التقنيات التي ستحدد مستقبل الإنترنيت فيما بعد. وهدأت الأمور قليلا حتى عام 1977؛ حيث أنتجت شركة "ديجيتال إكويبمنت" موقع "إنترنت" خاصا بها لتعد بذلك أول شركة كومبيوتر تقوم بتلك الخطوة. وفي الأول من يناير من عام 1983، أصبح بروتوكول TCP/IP بروتوكولا معياريا لشبكة أربانيت. وفي العام الذي تلا ذلك مباشرة (1984) أخذت مؤسسة العلوم العالمية الأمريكية NSF على عاتقها مسؤولية "أربانيت"، وفي هذا العام تم تقديم نظام إعطاء أسماء لأجهزة الكومبيوتر الموصلة بالشبكة، والمسمى DNS أو Domain Name System. وبعد عامين - في 1986 - أنشأت مؤسسة العلوم العالمية NSF شبكتها الأسرع NSFNET، وفي نفس العام ظهر بروتوكول نقل الأخبار الشبكية NNTP جاعلا أندية النقاش التفاعلي المباشر أمرا ممكنا، وفي هذا العام تم بناء أول جدار حماية لشبكة الإنترنيت من قبل شركة "ديجيتال إكويبمنت". وآذن عام 1990 بإغلاق شبكة أربانيت، وتولت شبكة إنترنيت الأكثر شعبية مهمة تحقيق التواصل بدلا منها. وفي عام 1991 قدمت جامعة مينيسوتا الأمريكية برنامج "جوفر GOPHER" الذي يضطلع بمهمة استرجاع المعلومات من الأجهزة الخادمة في الإنترنت (2). ثم قامت مؤسسة الأبحاث الفيزيائية العالمية CERN في 1992 في سويسرا بتقديم شيفرة النص المترابط Hyper Text، وهو نظام التشفير البرمجي الذي أدى إلى التطور العملي للشبكة العالمية WWW، والذي بدأت معه عملية بث المواقع تأخذ الشكل الأكثر عملية واقتصادية. ثم جاء عام 1993 الذي شهد إنتاج الإصدار الأول من "موزاييك Mosaic" مستعرض الشبكة العالمية، وقد تبعه الآخرون مثل Netscape وExplorer وذلك لتيسير الإبحار عبر الإنترنت. وفي عام 1995 رصد المراقبون تحول نمو الإنترنت إلى انفجار، حيث أصبح عدد الأجهزة الخادمة المتصلة بالإنترنت قرابة ستة ملايين جهاز خادم وخمسون ألف شبكة في جميع أنحاء العالم. وفي عام 1996 بدأ العالم يتصل بشكل دائم بشبكة الإنترنت؛ وبدأت الخدمة تدخل الدول العربية (3).

هذه السطور التي تمثل بداية سلسلة تطور الإنترنت ليست سوى إحدى حلقات تطور الكيان المسمى World Wide Web: WWW، أو المعروف اختصارا باسم The Web أو الويب (4). ونحتاج إثر التعرف عليه أن نتعرف بصورة أكثر كثافة على تلك المصطلحات الجديدة التي تحكم الإطار المستقبلي للإنترنت؛ على الأقل في الأمد المنظور. ونتناول هذه المفاهيم التجديدية فيما يلي، بدءا من ما بعد التفاعلية وحتى Web 3.0.

ب - ما بعد التفاعلية: ما بعد التفاعلية Post Interactivity مفهوم اصطلاحي – صكه الباحث في دراسة سابقة، وهو مصطلح يصف مجمل تلك المراحل الجديدة التي ولجت إليها شبكة الإنترنت منذ عام 2006؛ اعتمادا على ما أضافته إليها تقنيات Web 2.0 وWeb 3.0، وإن كانت إرهاصاتها قد بدأت تتبلور مع بداية الألفية الثالثة. ومصطلح "ما بعد التفاعلية" من خلال الدلالة المباشرة له نجده يعني تجاوز تلك المرحلة "التفاعلية" من مراحل الإنترنت، والتي ذكرت - كمصطلح - للمرة الأولى في عام 1954، في كتاب ولبر شرام: عملية الاتصال الجماهيري وتأثيراتها، ثم في دراسة ماكميلان وداونز McMillan & Downes في 1999، والتي انتهت إلى أن الهدف من الاتصال هو التبادل والإعلام.. إلخ. ومصطلح "ما بعد التفاعلية" مصطلح صكه الباحث في مجال سوسيولوجيا الإنترنت وسام فؤاد؛ معبرا به عن اتجاه الإنترنت لمرحلة جديدة في علاقة مرتاديها وزوارها بمحتواها والمنشور على صفحاتها (5).

فحتى منتصف العقد الأول من القرن الحادي والعشرين، كان مرتادو الإنترنت ينقسمون حديا ما بين منتج لمحتوى الإنترنت وبين مستهلك لهذا المحتوى. وكانت العلاقة ما بين منتج المادة ومتصفحها أو مستهلكها تقوم على تواصل محدود من خلال مجموعة من الأدوات الاتصالية البدائية كبريد عموم المواقع أو ما يسمى: الويب ماستر، أو من خلال البريد الإليكتروني لصفحات المواقع إن وجد، أو من خلال البريد الإليكتروني لمنتج المادة إن أتيح، وكانت بعض المواقع تستبدل هذا كله من خلال توفير قاعدة بيانات لتجميع التغذية المعادة حول منتجاتها المبثوثة على الإنترنت. وهذه الأدوات لم تلبث أن فقدت فعاليتها بسبب سوء استخدامها وازدحامها بالرسائل غير المرغوب فيها. وبمعنى آخر؛ كان التدفق الإعلامي عبر الإنترنت يقوم على فلسفة التدفق في اتجاه أحادي One to Many: من المنتج إلى المتصفح في شكل اتصال إعلامي وتعليق محض، قد يتطور في بعض الأحيان لحوار عبر منتدى إليكتروني مدار يتحكم به مالكه. وكانت قلة نادرة من المواقع تمثل استثناء من هذه القاعدة.

وبدءا من أواخر عام 2005، دخلت الإنترنت مرحلة جديدة أمكن فيها لكل متصفحي الإنترنت أن يكونوا بمثابة مرسلي المادة الإعلامية ومستقبليها في آن، أي أن الإنترنت كوسيلة إعلامية صارت تعبير عن تدفق المحتوى الإعلامي في اتجاهين أو أنه أصبح تدفق متعدد الاتجاهات Many to Many. فبفضل التطور التقني، وترجمته في وسائل مثل الخادمات/السيرفرات الضخمة، وقواعد البيانات المتطورة، وتقدم تطبيقات الويب، بفضل هذا كله أصبحنا نجد مواقع تتيح لزوار الإنترنت ومتصفحيها تكوين حسابات يمكنهم من خلالها تحميل ملفات الفيديو والصوت والصورة والنصوص على ما يشبه مواقع محدودة تخصهم، وأن يتحكموا فيمن بإمكانه مشاهدة هذا المحتوى بدءا من التعامل والتداول الخاص جدا لدرجة الفردية وحتى التداول العام المفتوح للجميع.

واللافت في هذا الصدد أن هذه الخدمات تقدم مجانا. كما أنها أصبحت خلو من الرقابة إلى حد بعيد. وبدلا من المنتديات الإليكترونية المدارة، والمجموعات البريدية محدودة الفاعلية، والمواقع المجانية المتخمة بالإعلانات التي تفرضها المواقع الموفرة للخدمة، بدلا من هذا كله وجدنا المدونات ومواقع الفيديو ومواقع ألبومات الصور ومجموعات التواصل الآني تغزو الإنترنت.

وبرغم انخفاض تكلفة إنشاء المواقع، ونظرا لبعض القيود التي ترد على عملية إنشاء المواقع، وجدنا متصفحي الإنترنت يؤثرون اللجوء لهذه الخدمات المجانية لتوفير الوعي بما يهتمون به من قضايا عبر ما يقدمونه من منتجات الوسائط المتعددة تدعم قضاياهم التي تتراوح ما بين الجدية الفائقة وحتى المشاركة بغرض الترفيه. واللافت أن متصفحي الإنترنت العرب بخاصة لجأوا إلى هذه الخدمات لتوفير درجة من الوعي بقضاياهم السياسية التي تلقى من وسائل الإعلام بما فيها مواقع الإنترنت درجات متفاوتة من التعتيم.

تلك الحالة التي تجاوزت التفاعلية لصالح المشاركة المباشرة من متصفحي الإنترنت في إنتاج وتقديم محتوى هذه الشبكة العنكبوتية هي ما سنعرفه اليوم وتاريخيا باسم "الإنترنت ما بعد التفاعلية". ويتأسس هذا المصطلح على مجموعة من التطورات في البنية التحتية التي سنتناولها فيما يلي. وتعزى حالة ما بعد التفاعلية للتطور الذي حدث في بنية الإنترنت التحتية والذي يمكن تصنيفه لمرحلتين غير متعاقبتين؛ اصطلح على تسميتهما بويب 2.0 وويب 3.0.

1 - الجيل الثاني للإنترنت Web 2.0: يشير مصطلح Web 2.0 لجيل ثان متصور من المجتمعات المبنية على أساس الويب وخدمات الاستضافة المرتبطة بها، بالإضافة إلى مواقع التشبيك الاجتماعي ومواقع الويكي (أسلوب ويكي لقواعد بيانات إدارة المحتوى) وقواعد بيانات الفهرسة الإليكترونية Folksonomies. وتستهدف فلسفة Web 2.0 تسهيل عملية التواصل والتعاون والتشارك في المعلومات بين جمهور الإنترنت. وقد أصبح المصطلح شائعا بعد ذلك المؤتمر الذي نظمه مركز أوريلي ميديا O Reilly Media حول Web 2.0 في عام 2004. وبرغم أن المصطلح قد يوحي بأننا بصدد إصدارة جديدة من World Wide Web، إلا أن المصطلح لا يشير بحال لأي تحديث لجوانب Web 1.0 التقنية، ولكن إلى تغييرات في الكيفية التي يقوم بها مطورو البرامج ومستخدمو الإنترنت في التعامل مع الإنترنت. فهذا الجوهر الجديد Web 2.0 بمثابة ثورة اقتصادية في مجال صناعة الحاسوب نتجت عن النظر إلى الإنترنت باعتبارها منطلق Platform - وليس باعتبارها ساحة نشر، ومحاولة فهم قواعد النجاح في هذا المنطلق الجديد (6).

ولذا لم يعد من الممكن الحديث عن تلازم الإنترنت والمتصفح، بل أصبح الاتجاه الجديد أن كل التطورات الحاسوبية تراعي أن يكون شطر منها تشاركي.

إن فلسفة Web 2.0 لا تقوم فقط على اعتبار أن الإنترنت هي منصة في الأساس وليس مستودع نشر، بل يجاور ذلك عدة مكونات أخرى لرؤية Web 2.0 أهمها أن البيانات هي التي تقود عملية التجديد وبناء قالب المنصة الجديدة؛ في الوقت الذي يملك فيها المستخدم البيانات ويتحكم بها، كما أن الابتكار والتجديد داخل كل حزمة نظم والمواقع العاملة بها ينجم عن نوع من التشارك المقصود بين مجموعة كبيرة من مطورين البرامج المنتشرين في أنحاء العالم مع اتسامهم بدرجة عالية من الاستقلالية في عملهم بدون تبعية مؤسسية. ويرتبط بهذا النموذج من نماذج العمل وجود مفهوم مبسط للمشروعات الاقتصادية Business Models التي تمول هذه الحركة؛ وتقوم تلك المشروعات على أساس الاستفادة من المحتوى أو من الخدمات التي تحملها المواقع. كما أن هذه المواقع تعتمد على مجموعة من البرامج تزود بها زوار الموقع باعتبارها دوما النسخة المبدئية والتي تظل مبدئية مهما تطورت؛ وهو ما يعني أن مستخدمي هذه المواقع لن يجدوا حاجة لشراء أي برنامج ولا تكبد عناء البحث عن مفاتيح مزورة له. كما أن البرامج التي تستخدم في هذا الصدد تجد ربحها من خلال اتساع نطاق العلم بها خارج الدائرة الفردية (المنظمات الاقتصادية والطوعية والحكومية) (7).

وفي هذا الإطار يمكن أن نشير إلى خصائص البث على الإنترنت في إطار Web 2.0 بدءا من تلك الروح الأساسية في حقبة Web 2.0 المتمثلة في التشبيك Networking الذي تعتبره غايتها الأساسية، حيث إن الأساس في هذه الحقبة ربط التطبيقات المختلفة بالشبكة والسماح للمستخدم باستعمالها لأغراض التواصل العميق وليس فقط الاتصال؛ وهي من أهم خواص هذه الحقبة. ومن ناحية ثانية، فإن المحتوى – أيا كان يعد ملك لمن بثه أونلاين، ويمكن له التعديل في خصائص عرضه كيفما شاء. ومن جهة ثالثة، ثمة خاصية الديمقراطية التي تتيح لمتلقي أي محتوى بالتعاطي معه إيجابيا وليس فقط تلقيه، عن طريق التعقيب عليه أو نقده من خلال استخدام نص أو بأي من الوسائط المتعددة، أو حتى برابط. ومن زاوية رابعة نجد أن ثمة ارتفاع في درجة اليسر والسهولة في التعامل مع واجهات البرامج التي تدير علاقة المستخدم بالإنترنت، تلك البرامج المعتمدة على تقنيات تبسيطية مثل Ajax وما شابهها (8). ويحاول البعض إضافة التطورات التقنية في مجال الجرافيك، وهذا محتمل كعنصر مكمل، لكنه ليس عنصرا حاسما في بناء فلسفة Web 2.0.

2 - الجيل الثالث للإنترنت Web 3.0: ظهر هذا المصطلح للمرة الأولى في عام 2006 في مقال منشور بأحد مدونات الخبراء الناشطين في مساحة الإنترنت: جيفري زيلدمان في معرض تقديم رؤية نقدية النقاشات المثارة حول Web 2.0 والتقنيات المرتبطة بها مثل تقنية أجاكس المشار إليها سلفا (9).

وفي المنتدى الرقمي بالعاصمة الكورية سيول، والذي عقد في مايو 2007، طلب الحضور من المدير التنفيذي المسؤول بشركة جوجل: إيريك شميدت أن يوضح الفوارق بين Web 2.0 وWeb 3.0، وكانت إجابته فيما يتعلق بالمسمى Web 3.0 أنها طريقة جديدة لبناء تطبيقات الحاسوب، وأنه يرى أن Web 3.0 إن هي إلا مجموعة من التطبيقات المجمعة في إطار واحد، حاملة مجموعة من الخصائص المتمثلة في الصغر النسبي لحجم هذه التطبيقات، والقادرة على أن تنتصب وتشتغل في أي بيئة إليكترونية: كالحاسوب أو الهاتف الجوال أو المساعدات الشخصية الرقمية PDA، وتكون في الوقت نفسه سريعة جدا وقابلة للتكييف وفق رغبة مشغلها، معتمدة في توزيعها وتسويقها كمنتج على زيادة الوعي بها والانتشار من خلال ترابط الشبكات المختلفة الموجودة على الإنترنت؛ مما ينفي الحاجة لتخزينها وشرائها، وهذا نموذج جديد لتداول برامج الحاسوب Different Application Model. وفوق هذا كله نجد هذه البرامج تستوعب طوفان البيانات الذي يجري صبه فيها (10).

وفي كتابات غيره من الخبراء، نجد أن كلمة Web 3.0 تمثل مصطلحا يطلق لتوصيف تطور مختلف حيال استخدام الويب والتفاعل في إطارها على أصعدة مختلفة، على رأسها عملية تحويل WWW إلى قاعدة بيانات هائلة، وتلك ليست سوى خطوة باتجاه تعظيم قدرة التطبيقات الحاسوبية المختلفة ومنتجات الذكاء الصناعي على الوصول للمحتوى بالغ الوفرة على الإنترنت، والذي تصل وفرته لدرجة السيولة التي تعوق سهولة الوصول لمحتوى ذي خصائص نوعية. هذا بالإضافة لما في ذلك من إمكانات تسويقية عالية (11). ويعتبر البعض منهم أن المواقع التي تعتمد تقنية الأبعاد الثلاثية مثل Second Life وVirtual Realm وDisney s Toontown وVirtual Ibiza وغيرها من المواقع تتبع هذه الحقبة من الويب.

ويرى طائفة مهمة من الخبراء أن Web 3.0 هي جيل جديد بمفهوم نوعية المحتوى وليس بمفهوم نوعية التقنية. وفي هذا الإطار يذهب أليكس إيسكولد إلى أن الشبكة العنكبوتية تضم اليوم قدرا من المعلومات والبيانات تجاوز في حجمه إمكانية القياس بالميجابايت أو الجيجابايت ليقدر بمقياس التيرابايت، وهو ما جعل المعلومات النفيسة تختبئ بتشفيرها ولغاتها المتباينة عن حواسيب مستخدمي الشبكة. ويرى أن Web 3.0 كاتجاه من اتجاهات الويب الذكية Semantic Web قادرة على تغيير هذه الحقيقة، حيث إن المواقع الكبرى لن تكون إلا تلك المواقع التي تقدم خدمات الويب، وستكون قادرة على استخلاص المعلومات الثمينة المختبئة داخل الشبكة العنكبوتية ونشرها على العالم. ويرى أليكس أن التحول في أداء المواقع وطبيعة محتواها سيكون في أحد اتجاهين. حيث يرى أن بعض المواقع سيسير في الاتجاه الذي يمثله مواقع مثل موقع أمازون Amazon أو موقع ديليشس Del.icio.us أو موقع فليكر Flickr حيث تمنح زوارها خدمات مختلفة وفق تقنية REST API (تقنية تستخدم لغة Xml للتعامل مع قواعد البيانات ونظام الشراء الإليكتروني). وبعض المواقع الأخرى سوف تحاول الحفاظ على ملكية معلوماتها؛ لكنها ستجعلها قابلة للتعامل معها عن طريق تقنية Mashups (وهي تقنية تقوم على لغة تستمد المعلومات من أكثر من قاعدة بيانات لكنها تعمل على جمعها ضمن أداة عرض واحدة)؛ ومثالها مواقع مثل موقع دابر Dapper التسوقي، أو موقع تاكيلو Taqelo الذي يمكن اعتباره منظم عمل متطور قائم على التشبيك الموجه، أو بعض الصفحات الفرعية الخاصة داخل موقع ياهو ومنها ياهو بايبز Yahoo Pipes وهو موقع لتجميع الإفادات من الإنترنت بواسطة إعدادات يقوم بها المشترك في موقع ياهو. هذان الطريقان سوف يجعلان من المعلومات المتناثرة على الإنترنت صورة أخرى من المعلومات المعروضة بصورة منهجية متماسكة؛ ممهدة الطريق نحو منظومة حوسبة أكثر ذكاء (12). وهذا ما نراه أكبر القيم المعبرة عن حقيقة Web 3.0.

ج - الإنفوميديا والتقارب الإعلامي: منذ منتصف التسعينات والخبراء يتحدثون عن ثورة الاتصالات والمعلوماتية، وكان الجميع ينظر للإنترنت من طرف خفي باعتبارها صاحبة الفضل في شيوع حالة اليسر الاتصالية والوفرة المعلوماتية النسبية التي كانت آنذاك. ومع تطور الإنترنت بدأ الناس يتحدثون عن الإعلام الجديد ودلالاته وتداعياته على حياتنا. واليوم نتجاوز بحالة الإنفوميديا هاتين الحقبتين المجازيتين لندخل إلى حقبة جديدة يحدث فيها تقارب متسارع بصورة قوية في مجال البنية التحتية لوسائل الاتصال. لم يعد الأمر إذا محض تطور الإنترنت من النص إلى المالتيميديا، ولا انتقال من مرحلة الإعلام أحادي الاتجاه إلى الإعلام التفاعلي ذي الاتجاهين وباستخدام أدوات الصوت والصورة، بل صرنا نتحدث عن سيولة اتصالية بكل ما تعنيه كلمة سيولة من معنى، ناهيكم عما يعنيه هذا من وفرة معلوماتية (13).

قوام المرحلة التي نعيشها اليوم أنه لم تعد ثمة فوارق بين وسائل الإعلام ووسائل الاتصال. ولم يعد ثمة انفصال بين وسائل الاتصال. أما تماهي وسائل الإعلام والاتصال فيرجع إلى أن التليفزيون صار يستخدم للدردشة والاتصال، وهو ما يعرف بالتليفزيون التفاعلي. وبالعكس صار الهاتف يستخدم كوسيلة إعلامية عبر رسائل المالتيميديا وخدمة التليفزيون الجوال الذي غزت تطبيقاته العالم. غير أن ذلك رهن بالجيل الثالث من أجهزة الهاتف النقال (14).

وأما عن الخاصية الثانية للإنفوميديا فيرى الباحث وسام فؤاد أن قوامها عدم انفصال وسائل الاتصال/الإعلام أو انقطاعها عن بعضها. فالحاسوب اليوم يتصل بمنتهى اليسر بالتليفزيون والراديو والهاتف النقال والإنترنت. والتليفزيون به إمكانات التواصل مع الإنترنت، ويمكن تلاقي الناس عبره مع بعضهم حتى لو كان بعضهم يستخدم الإنترنت، أو يستخدم الهاتف النقال للدردشة النصية. كما يمكن تزويده بخواص الشبكات اللاسلكية المحدودة المغلقة، وبضغطة زر من حاسوبك يمكنك الاتصال بأي حاسوب أو جهاز اتصال أو تليفزيون موجود على سطح الكوكب ضمن خدمة دولية مضمونة بضوابط جودة (15).

ولا يقف الأمر عند هذه الحدود. فهذه الثورة الاتصالية وذلك التقارب بدأ يجد حضوره الإعلامي عبر قنوات تتسم جميعها بارتفاع درجة توفر المعلومات وتيسير بثها والحصول عليها، وارتفاع درجة التنافسية بين الوسائل الإعلامية المهنية وغير المهنية فيما يتعلق بالاقتراب من الحدث وفيما يخص الصدقية. وكل ذلك سنتلمس آثاره في حديثنا عن تداعيات هذه الثورة وذلك التقارب.

و – إطلالة خاصة على المواقع ثلاثية الأبعاد: تكاثرت المواقع التي تعتمد البيئة التقنية ثلاثية الأبعاد؛ متأثرة باتجاه جديد للوجود الافتراضي عبرت عنه حركة تسمى Cyberpunk Literary Movement والمتأثرة بصفة خاصة بتلك الرواية التي أنتجها نيل ستيفنسون المسماة تحطم الجليد Snow Crash والتي ألهمت أكثر من جهة للعمل في مجال المواقع المتخيلة ثلاثية الأبعاد، منها Second Life وDisney s Toontown. وهي ظاهرة تنمو باطراد (16). ويعد موقع Second Life أبرز المواقع المعبرة عن هذه الموجة، وهو ما يبرر الحديث عنه بصورة تعتبره أنموذجا لذلك العالم المتنامي.

إن تلك الإمبراطورية المسماة Second Life لا تعدو أن تكون عالما متخيلا تفاعليا مبنيا على تطبيقات الإنترنت، وقد طورته شركة ليندون لاب Linden Research, Inc وأطلقته في عام 2003، وسلطت وسائل الإعلام الضوء عليه في أواخر عام 2006 مع قيام وكالة رويترز للإعلام بافتتاح مكتب لها هناك بعد أن لاحظت درجة الاهتمام الفعلية به متمثلة في أعداد أعضائه ومقدار ما ينفقون فيه من أموال. وقد كان هدف شركة ليندون لاب أن تقوم بإنتاج بيئة تماثل تلك البيئة التي رسم نيل ستيفنسون ملامحها في روايته التي أشرنا إليها سلفا. تلك البيئة يتحقق الرابط بينها وبين مستخدم الشبكة من خلال برنامج وكيل يوصل المستخدم بالموقع. ويعمل موقع Second Life - وأمثاله من المواقع التخيلية - عن طريق مثل تلك البرامج التي تسمى برامج وكيلة Client Programs يتم تنصيبها في أجهزة الحاسوب؛ فتتيح لمستخدمه دخول هذا العالم، ومن ثم اختيار شكل إنساني كامل يعبر عنه أو عن أحلامه؛ ليبدأ بعدها في ممارسة النشاط الاجتماعي (إعلامي – سياسي – ثقافي – اقتصادي.. إلخ) الذي من أجله دخل هذا العالم، ويقيم شبكة علاقات اجتماعية جديدة قد تحاكي أو تخالف شبكة علاقاته في العالم الحقيقي. ويوجد بهذا الموقع عملة افتراضية تمسى "دولار ليندون"، ويمكن مقايضتها بكل العملات العالمية من الأسواق المختلفة وبخاصة في الأسواق الأمريكية والأوربية التي يمثل سكانها الغالبية الساحقة من المشتركين في Second Life والمقيمين به (17). والطريف أن الأسبوع الأخير من أكتوبر 2007 شهد شراء شبكة CNN مكتبا لها هناك ينتظر افتتاحه بحلول الخامس من نوفمبر 2007 (18).

وينظر البعض لموقع Second Life باعتباره لعبة، لكن تلك التسمية مخادعة. فهذا الموقع ليس به نقاط يجري اكتسابها وليس به أرقام تسجيل المكاسب Scores، وليس به رابحون وخاسرون، وليس مستويات للعب، ولا يتضمن إستراتيجية لعب، ولا يتضمن أي من الخصائص التي تميز مفهوم اللعبة Game بتطبيقاتها ونظرياتها المختلفة (19).

ووفقا لإحصاء موقع Second Life؛ فإن إجمالي المقيمين بعالم Second Life بلغ في 31 أكتوبر 2007، حوالي 10 مليون و600 ألف مقيما، يتواجد منهم على مدار الساعة ما متوسطه 8000 مقيما. وبلغ حجم التعاملات الآنية في هذا الموقع حوالي 3,567,766,213 دولارا ليندونيا، وقد صار لهذه العملة بورصة خاصة على الموقع تتيح البيع والشراء. وهو ما يعكس حجم الإقبال على هذا الموقع وحجم الجدية التي يتمتع بها حضوره اقتصاديا (20).


ثانيا: ما بعد التدوين.. المفهوم والدلالات

مصطلح ما بعد التدوين هو مصطلح صكه الباحث للتعبير عن مرحلة جديدة على صعيدين اثنين، نجملهما تاليا:

أ – هي تعبير عن تطور نوعي حدث في المساحة التعبيرية التي صارت متاحة لكل مستخدمي الإنترنت بعد التطورات التي حدثت في مجال البنية التحتية للإنترنت.

ب – هي أيضا تعبير عن تطور جديد في مجال العمل الإعلامي في علاقته ببيئته الاجتماعية.

ولكي نتعرف على ملامح ما بعد التدوين لابد لنا من الوقوف على طبيعة البيئة الإعلامية التي أنتجتها تلك التطورات في مجال البنية التحتية للإنترنت، وذلك في السطور القادمة.

بداية لابد لنا من التمييز تحليليا ما بين ذلك الشق من الإنترنت المبني على أن الإنترنت وسطا أو بيئة؛ وذلك الشق الذي تكون فيه الإنترنت وسيطا إعلاميا. فقد حدث تطور في كل شق على حده، إلا أن التطورات الأخيرة جعلت الحالة الإعلامية المتخصصة تخلط بين الشقين، فيما يمكن تسميته بتجديد أدوار الوسيط الإعلامي النهائي المسمى بالإنترنت في ثوبها الجديد. فمهما كنا نتحدث عن Web 2.0 أو Web 3.0 فإننا في النهاية نتحدث عن تلك الوسيلة الاتصالية والتواصلية التي تطورت خلال السنوات العشرين الأخيرة من مجرد وسيط نشر متجاوز للحدود وحتى كونه وسيلة تواصل فعالة إلى جانب كونه وسيلة اتصال. وهو ما يرشحها لتكون بيئة الاتصال والتواصل المثلى التي تسعى كل سبل الاتصال أو التواصل لمحاكاة بيئتها والتطور باتجاهها؛ لتصير الإنترنت في النهاية هدف التليفزيون والهاتف الجوال والمساعدات الشخصية بالإضافة للحواسيب بأشكالها المختلفة المحمولة والثابتة.

غير أننا عندما نتعامل مع هذه التغيرات المفاهيمية يصعب علينا أن نفصل في تأثيراتها بين ما تنتجه من تداعيات على صعيد الإنترنت كوسط والإنترنت كوسيط، ومع ذلك؛ فلابد من الوعي بالفارق بين المستويين لأنه سيكون جليا وواضحا في بعض المساحات التي سيشتبك فيها الشقان.

ولا شك في أن التداعيات الحادثة جللة، وأن الإحاطة بها في مقام كهذا المقام وورقة كهذه الورقة سيكون صعبا لا محالة. والعزاء أن تحاول الورقة تقديم ما يقع في منظور القائمين عليها موقع الأهمية الظرفية ذات الأولوية. وفيما يلي نعرض لتداعيات هذه التغيرات.

أ – إعلام متعدد الاتجاهات: سبق وأشرنا إلى أن ما بعد التفاعلية كخاصية لحقبة الإنترنت الجديدة قد نقلت زوار الإنترنت من حقبة استهلاك المحتوى الإعلامي إلى حالة إنتاج هذا المحتوى (22). ويشير تقرير نادي دبي للصحافة إلى أن من أم تلك التغيرات تحول نمط التدفق الإعلامي من نمط تدفق في اتجاه واحد One to Many إلى نمط تدفق متعدد الاتجاهات Many to Many، واعتبره نمطا جديدا يضاف إلى أنماط التوزيع التقليدية، وإلى نمط التوزيع حسب الطلب الذي جرى تقديمه مؤخرا. ويرى التقرير أن نمط التوزيع الجديد يسمح بتوزيع كل من المحتوى المهني (الذي تمثل قضية حقوق الملكية الفكرية قضية حيوية بالنسبة له) بالإضافة إلى ذلك المحتوى الصادر عن المستخدمين والذي يتراوح إنتاجه ما بين النص العفوي وتقنية الفيديو الصادرة عن كاميرا رقمية رخيصة الثمن (23).

وبمعنى آخر، فإن ملايين المدونات؛ بتلك اللغات المتباينة المتعددة، بما تحويه من محتوى نصي أو صوتي أو محتوى فيديو أضيفت لمساحة المحتوى الذي يتعرض له مستخدم الإنترنت يوميا، ولم يعد الأمر قاصرا على تلك المواقع الرسمية أو تلك المواقع التي تعبر عن مؤسسات إعلامية صار لها اتجاه محدد وموجه لا تحيد عنه.

ولابد من التأكيد على أن الاتجاه لتحويل الإنترنت لنمط قواعد بيانات يستند لسيرفرات ضخمة ورخيصة التكلفة، مع تطور الآليات الاقتصادية لاستثمار مثل هذا الوضع New Business Models قد جعل ثمة إمكانية لأي فرد أو جماعة بشرية أن يقوموا بنقل الأخبار والمعلومات التي يراد لها التعتيم، بل ويقدموها معززة بأدلة صوتية وفيديوية تكسبها المصداقية، وتصنع بمرور الأيام اسما تجاريا مشهورا Branding Name يكون له درجة عالية من المصداقية التي تزاحم مصداقية المؤسسات الإعلامية المهنية.

ولا شك في أن هذا يعني فيما يعني أيضا تحول المستقبل الإعلامي تاريخيا باتجاه الإنترنت باعتبارها الوسيلة التي تقدم منافذ إعلامية ذات قدرة على الاستمرار والصمود، مع رخص التكلفة من ناحية ثانية، وارتفاع الإمكانيات من ناحية ثالثة.

ب – مفهوم المواطن الصحافي: وقد ارتبط بتلك المرحلة ما عرفه المراقبون والمتخصصون باسم صحافة المواطن؛ ويعرف أيضا باسم Public or Participatory Journalism هو دور يؤديه المواطن الذي يلعب دورا فعالا في عملية جمع وتصنيف وتحليل وصياغة المعلومات والأخبار. ووفقا لتقرير We Media نصف السنوي الذي يصدره مركز الإعلام Media Center التابع للمعهد الأمريكي للصحافة The American Press Institute، فالمفهوم يعني تلك الكيفية التي يصوغ بها الجمهور مستقبل تداول الأخبار والمعلومات. وقد أعد كل من شين بومان وكريس ويليس دراسة ضمن تقرير النصف الأول من عام 2003 يرون فيها أن الغرض من هذه المشاركة الإعلامية توفير تلك المعلومات المستقلة والدقيقة التي تحتاجها الديمقراطية فيما يتعلق ببحث القضايا التي تحتاج توفر معلومات ذات صلة ويمكن الاعتماد عليها (24). وهذا المصطلح لا يجب الخلط بينه وبين مصطلح الصحافة المدنية، تلك التي يقوم بها الصحافيون المحترفون. صحافة المواطن هي جزء من محدد من مفهوم إعلام المواطن citizen media مثله في ذلك مثل مصطلح المحتوى الذي يبتكره المواطن (25).

وقد صنفت الباحثة الإعلامية جيه دي لاسيكا المحتوى الذي يقدمه المواطن الصحافي إلى 6 فئات تتمثل فيما يلي (26):

* مشاركة الجمهور المتلقي (مثل تلك التعليقات التي يكتبها المواطن استجابة للقصص الإخبارية، والمدونات الشخصية، وتلك الصور محدودة الكفاءة التي التقطها الأشخاص بكاميرات هواتفهم الجوالة، وتلك الأخبار المحلية التي يكتبها شخص مقيم ضمن مجتمع ما من المجتمعات).
* المواقع الإخبارية والمعلوماتية المستقلة (مثل تقارير المستهلكين أو تقارير السخرة في العمل Drudge Report).
* المواقع الإخبارية ذات المعالجة الناضجة (مثل موقع OhmyNews International).
* المواقع الإعلامية التي يشترك أصحابها في إنتاج محتواها أو تطوعوا لإنتاجه Collaborative and contributory media sites.
* الأنواع المختلفة من الإعلام الارتجالي أو المسمى Thin Media (المجموعات البريدية والنشرات الإخبارية).
* المواقع الإذاعية الشخصية.

هذا التحدي ذو طابع إعلامي وليس تقنيا. ويمكن اعتباره نوع من تنامي البنية الفوقية الإعلامية المترتب على تلك التطورات التي حدثت في مجال البنية التحتية المرتبطة بالإنترنت، مثل Web 2.0 وWeb 3.0.

ج - إعلام نمط الحياة: في إطار الحديث عن Web 2.0 أشار تقرير مؤسسة برايس ووترهاوس إلى نمط جديد من الأنماط الإعلامية المتمثلة في "إعلام نمط الحياة" أو Lifestyle Media. لتشير به إلى موجة جديدة من أنماط الإعلام تعبر عن الخبرة الإعلامية الشخصية ضمن سياق اجتماعي. ويشير تقرير نادي دبي للصحافة لعام 2006 إلى أن المستخدمين الإعلاميين النافذين الذين يتفاعلون مع الشبكات الاجتماعية على Web 2.0 يطلبون منتجات إعلامية تسمح لهم بزيادة القيمة المستفادة من المحتوى الإعلامي المتنوع ضمن وقت الفراغ المحدود المتاح لديهم (27).

فمرتادو الشبكات الاجتماعية المختلفة والمتعددة لهم مشارب واهتمامات مختلفة، وبعضهم يرى أن هذه الاهتمامات لا تجد لها التغطية الكافية التي تلبي كافة احتياجاتهم كافة الأنشطة التي يقومون بها وكافة المساحات الموضوعية التي يهتمون بها، وهو ما يدفعهم لتقديم محتوى يخصهم وحدهم، وربما يمكنهم نقله لغيرهم.

ويوضح الخبراء أن هذا النمط من الأنماط الإعلامية وفق هذا التوضيح عاليه يتسم بسمتين هامتين تتمثل أولاهما في أن هذا النمط يعطي المستخدم القدرة على اكتشاف أو تقديم محتوى جديد، وتتمثل ثانيتهما في أن هذا النمط يتيح للمستخدمين اختيار كيفية توزيع هذا المحتوى (28). فهذه النشاطات الخاصة بالمستخدمين – سواء أكانوا مجموعة علماء أم مجموعة من الساسة أصحاب وجهات النظر الجديدة موضع التضييق أو كانوا مجرد جماعة رفاق (شلة) - تقدم لهم خيارات جديدة تندرج ضمن دائرة اهتماماتهم وتمكنهم من تحديد طريقة قضاء الوقت المحدود المتاح لديهم.

د - تراجع إمكانيات التعتيم: سبق أن أشرنا لمدى تأثير المرحلة ما بعد التفاعلية على الإنترنت كوسيط إعلامي وما ارتبط به من توسيع نطاق إنتاج المحتوى الإعلامي. والقيمة المضافة الجديدة في هذه المساحة أن إمكانيات التعتيم على هذا المحتوى صارت بعيدة المنال.

فمن ناحية، يمكن القول بأن اندراج الإصدارات الإعلامية الجديدة تحت اسم نطاق لا صلة له باسم نطاق خاص باتجاه أو تيار يجعل من المستحيل منع أو حجب هذه الإصدارة الإعلامية من دون التأثر بالتعامل مع الموقع الكبير الذي جعلت أنظمة التكويد فيه هذه المهمة أقرب للاستحالة العملية. ويمكن القول بأن خبرة التعاطي الأمني مع ظاهرة الإرهاب الخطيرة كشفت عمق هذه الأزمة حيث انتقلت المواجهة من جهة حظر المواقع إلى مساحة أخرى من الصعب فيها مواجهة الأمر بسبب انتقاله إلى مساحات المواجهة عبر قنوات المدونات من جهة وقنوات استضافة الفيديو الرقمي (29).

ومن ناحية ثانية، فإن الجيل الجديد من المدونات على سبيل المثال يستوعب تقنية تصدير واستيراد المحتوى (30)، بما يعني أن منع موقع ما من مواقع المدونات سيعني إمكان انتقال هذه المدونة بنفس محتواها القديم إلى موقع آخر بضغطة زر. وهو ما يقف حائلا دون إمكانية المنع أو الحجب. وهذه الإمكانات تستند لمنطق تحويل الإنترنت إلى قاعدة بيانات وهو ما ألمح إليه الخبراء في الحديث عن Web 3.0.

ومن ناحية ثالثة، فإن تحول الإنترنت باتجاه قواعد البيانات سيجعل من الصعوبة بمكان السيطرة على المحتوى الخاص بها، وبخاصة مع تزايد الاتجاه نحو إنتاج التطبيقات التي تعتمد لغة MashUps التي تجمع البيانات المخزنة بصورة مستقلة لكنها تدمجها مع بعضها البعض في آليات عرض قائمة على ما يقارب مناهج نظم الخبرة المعروفة في تصنيف وعرض البيانات (31).

هـ – المستقبل الإعلامي بين المنافسة والصدقية: دخلت ظواهر إعلامية جديدة حيز المنافسة مع وسائل الإعلام قاطبة بصفة عامة، ومع البث الذي تبثه القنوات الفضائية وشبكات الكابل، وكذلك تلك المواقع الإذاعية الشهيرة الموجودة أونلاين، بالإضافة لمواقع الصحف البارز أونلاين. وأبرز مساحات المنافسة تلك ما نراه من المدونات والمساحات الخاصة التي توفرها المواقع الكبرى مثل My Space وGoogle وYahoo، ويضاف إليها محطات إذاعات الإنترنت الخاصة والمحدودة التي يمكنها بواسطة برنامج صغير مثل Jet Audio أو غيره أن توفر بثا منتظما بمجرد توفر القدرة على استئجار مساحة محدودة على سيرفر، بالإضافة لمواقع بث الفيديو التي بدأت تشتهر وتكثر مثل You Tube أو MetaCafe وغيرها، بالإضافة إلى ظاهرة المنتديات، فضلا عن استمرار الشكل البدائي لما بعد التفاعلية المتمثل في القوائم البريدية والمواقع المجانية (32). هذه الصور التنافسية الجديدة بدأت تحد من درجة مصداقية البث الفصائلي المتحزب أونلاين، وتوفر سبل هز هذه المصداقية من خلال وسائل ملموسة من المحتوى الإعلامي تصل لدرجة التوثيق المرئي عبر تقنيات الفيديو؛ بما في ذلك التقنيات الرخيصة.

وفي المقدمة المفاهيمية تعرضنا لمفهوم الإنفوميديا وما أنتجه من تقارب بين وسائل الاتصال المختلفة، وهو ما أعطى لوسائل الاتصال غير الإعلامي كالهواتف الجوالة أدوارا إعلامية. ففي الجيل الثالث من الهواتف المحمولة هناك مجموعة من البرامج التي تتيح لصاحب الهاتف الجوال أن يكون وسط الأحداث فيقوم بتصوير مجموعة من مشاهد الفيديو أو الوثائق أو الصور؛ ثم ينقلها بضغطة زر إلى مدونته الموجودة على الإنترنت ليراها الناس لحظة حدوثها (33). وهذه التقنية ليست بدعا من أصحاب شركات الهواتف الجوالة، بل تم هذا بالتنسيق ما بين شركات إنتاج الهواتف الجوالة وشركات إنتاج التطبيقات الحاسوبية والشركات الراعية لبعض مواقع المدونات بحيث تتيح بعض مواقع المدونات للمشتركين أصحاب المدونات أن يجروا بعض الإعدادات الخاصة لمدوناتهم لتزويدها عبر الهواتف النقالة (34).

6 - تطور خريطة تدفق العمل الصحافي: يمكن القول بان عملية التحرير الصحافي في المؤسسات الصحافية الورقية أو الإليكترونية كانت تتم وفق المتسلسلة التالية (35):

* التخطيط لتغطية الخبر (المتوقع والمتابع) أما المفاجئ فلا يخطط له، ويتم ذلك من خلال تحديد محاور الخبر ونقاطه الرئيسية، وجمع الخلفيات المتعلقة به من قسم المعلومات أو من أرشيف المحرر الصحفي الخاص به.
* جمع المعلومات من المصادر المختلفة البشرية والوثائقية.
* التقاط الصور الفوتوغرافية المناسبة للخبر بواسطة المحرر أو المصور الصحفي.
* مراجعة المادة الصحفية المكتوبة والمصورة واستكمالها، ووضع خلفيات للحدث يمكن من خلال الضغط على كلمة معينة داخل النص استدعاء مواد أخرى ذات صلة بالخبر المنشور وذلك حال الصحف الإلكترونية.
* تقييم المادة الصحفية المكتوبة والمصورة وتحديد صلاحيتها للنشر بواسطة المحرر المسئول، أو غيره حسب خط سير النص الصحفي داخل الوسيلة المعنية بالنشر.
* تجهيز الرسوم اليدوية التعبيرية والتوضيحية والساخرة التي سوف تصاحب الموضوعات أو تنشر بمفردها.
* اختيار البناء الفني للنص الصحفي: أي تحديد شكل المادة الإخبارية المخطط لنشرها (مقال – تحقيق- خبر – حوار- تقرير- فلاش – بانر- ساحة حوار).
* التحرير النهائي للنص الصحفي.
* المراجعة النهائية للنص الصحفي المحرر.
* التقييم النهائي وتحديد أولويات النشر.

غير أن تغير الأنماط الإعلامية جعل هذه المراحل الخاصة بالعمل الإعلامي المهني الكلاسيكي تقليدا مهنيا ربما لن يصمد كثيرا أمام المتغيرات الإعلامية المرتبطة بضرورة ملاحقة الحدث أونلاين. وقد سبق أن أشرنا إلى أنماط الإنتاج الإعلامي الخاصة بمفهوم المواطن الصحافي، والتي يمكن الإشارة إليها سريعا فيما يلي (36):

* مشاركة الجمهور المتلقي.
* المواقع الإخبارية والمعلوماتية المستقلة.
* المواقع الإخبارية المتخصصة ذات المعالجة الناضجة.
* المواقع الإعلامية التي تشارك أصحابها في إنتاج محتواها أو تطوعوا لإنتاجه.
* الأنواع المختلفة من الإعلام الارتجالي أو المسمى Thin Media (المجموعات البريدية والنشرات الإخبارية).
* المواقع الإذاعية الشخصية.

ويختلف إنتاج المحتوى من وسيلة لأخرى من هذه الوسائل. ولا شك في أن المواقع الأكثر نضجا في إنتاج محتواها الإعلامي قد توكل عملية إنتاج هذا المحتوى لمتطوع ذو خبرة يقترب كثيرا من هذه التقاليد، وربما كان بعض المواقع المندرجة تحت لافتة غير ناضجة يصدره من له خبرة بالعمل الصحافي مثل كثيرا من المدونات العربية التي يصدرها صحافيون ينشرون بها ما لا يجد طريقه للنشر بالصحف العادية (37).

غير أن اعتبار العفوية غالبا ما يكون مهيمنا على العمل المندرج تحت مفهوم صحافة المواطن، ولكنه مع ذلك يحوز على مصداقية عالية (38). ولعل درجة الإقبال العالية على مدونة مثل مدونة الوعي المصري، وحصول صاحبها وائل عباس على جائزة عن مجمل أعماله لكشف الفساد خلال عام 2005 - 2006 من "المنظمة الأفرومصرية لحقوق الإنسان"، بالإضافة لفوزه بجائزة "نايت الدولية للصحافة" لعام 2007 يمثلان مؤشرا على درجة الصدقية التي يتعامل بها الزوار مع مثل هذه المدونة (39).

غير أن نموذج صفحة عيون المشاهد الذي تقدمه شبكة إسلام أونلاين يمثل درجة وسطى بين تقاليد العمل الصحافي وبين العفوية الصادرة عن المواطن الصحافي بتجليه الحقيقي. فهذه الصفحة تعمل بفلسفة تقوم على صنع ملفات مختلفة تقوم في إطارها باستقبال مساهمات زوار الموقع في صورة ملفات نصية مزودة بصور فوتوغرافية، حيث يتولى المحرر المسؤول بالصفحة انتقاء الصور وتحرير النص ليليق بالنشر في صفحة تتبع موقع إسلام أونلاين. وقد لاقت الصفحة نجاحا كبيرا آذن باتجاهها لتصبح موقعا مستقلا في الأمد القريب. كما تتجه الصفحة لتدريب المتميزين من زوارها عبر استثمار تقنية التدريب الإليكتروني التي يبرز فيها موقع إسلام أونلاين كأحد المواقع الرائدة في مجال التدريب الإليكتروني (40).

7 - وفرة المحتوى وسيولته: كما سبق ورأينا، في عرض أليكس إيسكولد، فإن مقدار المعلومات المخزنة على الإنترنت صار يقدر بالتيرابايت وليس بالجيجابايت، وهذا قدر ضخم جدا من البيانات (41). ولنا أن ننظر إلى الفلسفة الإعلامية التي تحكم العالم الإعلامي الذي نقبل عليه والذي سيدلنا على أن حجم المعلومات التي ننتظرها في المستقبل سيكون فلكيا بالنظر إلى الاتجاه نحو تحويل كل مستخدمي الإنترنت إلى منتجين للمحتوى الاتصالي، ولنا أن نتخيل تنوع هذا الكم ما بين محتوى معلوماتي سياسي أو اقتصادي أو اجتماعي أو ثقافي ديني وغير ديني، بالإضافة للمحتوى المعبر عن النشاط الاقتصادي التجاري والتسويقي والدعائي غير المعلوماتي، ويمكننا أن نضيف إليه الجانب الترفيهي الهائل؛ سواء منه ما كان مجانيا أو اقتصاديا. هذه المؤشرات تدلنا على حالة قوية من حالات السيولة التي تنتظرنا، والتي سيكون فيها من العبث الاستمرار في إنتاج المعلومات بدون التوقف للحظات لتقويم هذا المحتوى، وتصنيفه، والابتكار في الخدمات المتعلقة بالانتقاء منه، وإنتاج ما يراعي مواءمات هذا المحتوى للاحتياجات الفردية.

إن ما ستقودنا إليه تلك التطورات الحادثة في مساحة Web 3.0 أن نقيم أداء المواقع الإعلامية المختلفة في سياق ما تقدمه لنا من خدمات تيسير الحصول على المحتوى الذي نريد. وهذه النوعية من الخدمات هي التي ميزت محرك بحث جوجل Google في مجال البحث عن النصوص عن غيره من محركات البحث القوية، كما ميزت محرك البحث الخاص بموقع Yahoo وAll The Web فيما يتعلق بالبحث عن ملفات المالتيميديا. وفي هذا الإطار تظهر مواقع تتقدم في ترتيبها بسبب ما توفره من خدمة الفرز والانتقاء والتجميع مع تقديم خاصية تتعلق بلياقة المحتوى للفرد، ومنها ما أشار إليه الباحث أليكس إيسكولد من مواقع مثل Del.icio.us. ويمكن في هذا الإطار طرح خبرة صفحة "أجندة الفعاليات" التي تقدمها شبكة إسلام أونلاين في محاولة منها لإنقاذ الفعاليات المبثوثة أونلاين من أن تتوه في خضم هذا الكم الهائل من السيولة المعلوماتية. وسوف يكون لنا وقفة مع هذه الصفحة لاحقا. فمثل هذه الخدمات ستكون مهمة ومميزة للمواقع التي تقدم خدمات في مجال الإعلام الإليكتروني، ولا يمكنها أن تتجاهلها.

ولا شك في أن من بين المهام الأساسية التي يمكن في إطارها ضبط هذه السيولة حدوث تقدم نوعي في مجال الفهرسة الإليكترونية المسماة Folksonomy والتي تمثل اليوم عمودا فقاريا لجهود فهرسة وتجميع المواد المتناظرة والمتشابهة بسبيل تحقيق مزيد من توثيق وتنظيم المحتوى وتصنيفه بما يتيح للتطبيقات الحاسوبية أن تقوم بوظيفة التصنيف والانتقاء وتجويد عرض النفائس المخبأة (42).

8 – تطور الأدوار الاجتماعية للوسيلة الإعلامية: بالنظر لأنموذج إعلام نمط الحياة الذي أوردناه سلفا، يمكننا الإشارة لدرجة من التبدل يصيب أدوار المؤسسات الإعلامية، أو ربما هو نوع من التطور يصيب المؤسسات العاملة في مجال التنمية، بحيث يصبح لهذه المؤسسات جملة من الأدوار التي يتضافر فيها نمط العمل الإعلامي الموجه مع نمط التشبيك الاجتماعي التنموي. أو ربما تنشأ جماعة يكون لها هدفا تنمويا لكنها تتخذ الإعلام مدخلا لتعبئة الجمهور المحتمل خلف قضيتهم مهما دق حجمها.

وكان أحد الباحثين المشاركين بهذه الدراسة قد أجرى بحثا حول الجيل الثالث من المنتديات، مشيرا إلى خاصية مهمة لهذا الجيل تتمثل في المحدودية الجغرافية التي يعبر عنها هذا الجيل مع اهتمامه بقضايا تنموية بالغة الصغر تتعلق بالتوعية البيئية من قبيل قضايا كالنظافة والتنبيه لبعض الأخطار التي تنشأ في المنطقة التي تعبر عنها هذه المنتديات (43).

9 – إثراء الدراسات الإعلامية: بالنظر إلى أدبيات علوم الإعلام التي غالبا ما تكون فيها الأدبيات النظرية تبعا لتطور واستقرار العمل بالوسائل الإعلامية، فإن من المرتقب أن تسفر تلك التطورات عن حزمة جديدة من الاهتمام البحثي والأكاديمي بالنشاط الإعلامي أونلاين بصورة خاصة وفي أوساط الإنفوميديا بصفة عامة، وذلك في محاولة لاستكشاف قيم إعلامية جديدة ضمن هذا التدفق الإعلامي الوافر، أو محاولة ضبط هذا المنتج ببعض القواعد التي تزيد من "مهننته" Profissionalization وحرفيته؛ ومن ثم فاعليته وتأثيره.

10 – ما بعد التدوين: المحصلة الرئيسية التي رأيناها من استعراض مجمل المقدمات السابقة تتمثل في حدوث طفرة على صعيدين:

* الصعيد الأول يتمثل في التنامي الكيفي للمساحة التعبيرية التي أتاحتها الإنترنت الجديدة لمستخدمها. ويمكننا في هذا الإطار أن نتحدث عن تلك السعة الهائلة في الإمكانيات التي أعطيت لمفهوم المواطن الصحافي.

فإبان فكرة مفهوم المواطن الصحافي. كانت انعكاسات فكرة مفهوم المواطن الصحافي وفيرة لكنها لم تزل محدودة في حيز النص المكتوب، مع بعض الإمكانيات الخاصة بمساحة صغيرة للفيديو مع مساحة معينة للتصوير، يمكن القول بأن إمكانات الإنفوميديا قد أنمتها عبر آليات مثل Mobile Bloging. أما ما يحدث الآن من طفرة فيمكن أن يتجاوز واقع التدوين لصالح بناء منظومة قوية تتيح الاستفادة من خدمات الشبكة المختلفة، بحيث يمكن لمدونة صغيرة أن تستورد عدد كبير ذو وزن ضخم من أفلام الفيديو وملفات الصوت من تلك المواقع التي توفر خدمة استضافة هذه النوعية من الملفات مثل You Tube أو Foto Log، بحيث لم يعد ما لدينا من إمكانات هو نص يصحبه فيلم فيديو أو عدة صور مع إمكانية إرفاق هذا كله باستطلاع رأي محدود، بل صار لدينا حيز من تطبيقات الويب التي تستوعب بالإضافة لكل ما سبق إمكانية أن يضيف مطورو البرامج Web Developers عدد غير حصري من تطبيقات الويب الخفيفة ذات الصبغة الوظيفية التي تحتاج إليها الأعمال الإعلامية ذات الأهداف الاجتماعية.

ويمكن أن نختلس النظر إلى إمكانية متاحة الآن على شبكة الإنترنت تتمثل في موقع Face Book. فهذا الموقع يوفر إمكانيات نصية غير محدودة لزواره، مع إمكانية استضافة فيديو من أي موقع يستضيف الفيديو مجانا، أو أي موقع يستضيف أي من ملفات الصوت والصورة والفلاش. ولا يقف الأمر عند هذا الحد، بل نجد مزيدات برامجية غير محدودة، سواء اكانت بتقنية MashUps أو تقنية APIs ذات وظائف ترفيهية وتواصلية مختلفة.

وقد يظن البعض أن ما نتصوره من إمكانيات قد يقتصر على مواقع Face Book أو HI5 أو غيرها من مواقع Social Web. لكن هذا ليس صحيحا. هذه البرامج متوفرة من خلال موارد برمجية مفتوحة Open Sources، ويمكن تطويرها لاستيعاب وظائف جديدة ومحددة. بل إن موقع مثل Face Book – كما سبق ورأينا - يجد دعما غير محدود من أولئك المهتمين بالمصادر البرمجية المفتوحة ومطوريها.

والمصدر الثاني من مصادر قوة هذا الجيل من مساحة الاتصال والتواصل (21) يتمثل في إمكانية التشبيك العالية التي يتيحها، فهي تطبيقات ويب تعمل وفق منظومة WiKi التي تتيح أكثر من منفذ إدخال المحتوى، وتتيح إمكانيات التشارك في هذا المحتوى، سواء أكان التشارك مطلقا أم مقيدا. ولا يوجد سقف للتشارك، كما لا يوجد سقف لأشكال التشارك. فهناك الجيل الثاني من المجموعات البريدية، بالإضافة لإمكانيات استعراض العدد غير المحدود من المتشاركين لعدد غير محدود من مواد المحتوى. وكل ما تتطلبه فاعلية هذه الحالة التشبيكية القوية إيمان أحد أعضاء هذه الحالة بفكرة، ثم إقناع الناس بها ليبدأ تداولها في إطار تشبيكي.

* والصعيد الثاني يتمثل في تطور مجال العمل الإعلامي نفسه، ليصير بإمكاننا التحدث عن مرحلة جديدة من الإعلام الإليكتروني المنتمي. لقد رأينا من قبل تصنيفا للإعلام ما بين إعلام إخباري محترف وإعلام موجه، وهذا الصنف الثاني هو الذي نميل لتسميته بالإعلام المنتمي. والحالة التي نتصورها لمستقبل الإعلام على الإنترنت أنه سيتحول إلى وحدات صغيرة من الإعلام المنتمي، حيث لا يصير الإعلام الأساسي لمستخدم الإنترنت هو ذلك الذي يعرض الخبر أو المعلومة المتخصصة، بل سيصير الإعلام الأساسي بالنسبة لمستخدم المستخدم هو ذلك الإعلام الذي سيتلقاه عبر مجموعته الخاصة أو الـ Community الخاص به، وهي صورة ستكون قريبة لما نعرفه اليوم باسم إعلام نمط الحياة، حيث سيتحول كل شكل من أشكال الإعلام المنتمي إلى بناء المجتمع الخاص به، وبذلك يملك القدرة على الحشد والتعبير والتجييش لأجل الفكرة التي يؤمن بها.

وترجيحي إن ذلك الفتح في الموجة الجديدة من الإعلام الإنترنتي المنتمي سيكون من نصيب القطاع غير الحكومي بصورة أساسية، حيث ستلجأ إليه كل أطروحات التنمية المختلفة التي ستكون دوما في حاجة لبناء تجمع شبكي خاص بها لكسب التأييد عبر بنائها مجتمعها الخاص، ومن ثم تحقيق طموحاتها.

إن مثل هذه الحالة التي عرضناها يمكن أن تعتمد مبدئيا على المواقع المتاحة مثل Face Book أو My Space أو Hi5 أو غيرها من مواقع تطبيقات الويب التشاركية، لكنها أيضا يمكن أن تقوم على توظيف خاص لبعض المصادر المفتوحة من هذه البرامج وتطويرها. والميزة في البرامج المتاحة التي أشرنا إليها أنها مدعوة بمساحة تخزين هائلة متوفرة على الخادمات التي تستأجرها لا يمكن توفيرها لغيرها من المواقع الخاصة، كما أنها مواقع صعبة الحجب، ويمكن تبديلها في حال تعرضها للحجب بمواقع غيرها. لكن ربما تفضي التطورات التقنية الهائلة المتلاحقة إلى إنتاج واقع تقني جديد ترخص فيه مساحات السيرفرات المستأجرة، كما أفضت لتعذر عملية حجب بعض المواقع.

========
الإحالات المرجعية:
1 - Middle East & North Africa Statistics, Internet World Stats.
2 - Alex Simonelis, Histories of the Internet, Internet Society International Secretariat WebSite: ISOC, 28-Nov-2006.
3 - المرجع السابق.
4 - Wikipedia, the free encyclopedia: World Wide Web.
5 - موسوعة ويكيبيديا الحرة، مادة: ما بعد التفاعلية.
6 - Wikipedia, the free Encyclopedia: Web 2.0.
7 - William Brister, Web 2.0, EZine Articles web Magazine.
8 - Wikipedia, the free encyclopedia: Web 2.0.
9 - Michael Copeland Weaving the Semantic Web, Business2.com, July 3, 2007.
10 - Wikipedia, the free encyclopedia: Web 3.0.
11 - Heather Green A Web That Thinks Like You, Businessweek.com, July 9, 2007.
12 - Alex Iskold, Web 3.0: When Web Sites Become Web Services, Read/Write Web 19/03/2007.
13 - موسوعة ويكيبيديا الحرة: مادة الإنفوميديا.
14 - وحدة البحوث والتطوير بشبكة إسلام أونلاين، التطور في البنية التحتية للإنفوميديا، عدد مارس 2007، تقرير دوري غير منشور، ص: 12.
15 - المرجع السابق، ص ص: 13 – 14.
16 - Wikipedia, the free encyclopedia: Second Life.
17 - Wikipedia, the free encyclopedia: Second Life.
18 - Mike Shields, CNN Goes Virtual, MediaWeek, 29/10/2007.
19 - Wikipedia, the free encyclopedia: Second Life.
20 - Second Life Economic Statistics.
21 - مصطلح التقطه الباحث من مقابلة علمية أجراها مع الأستاذ توفيق غانم المدير العام لشركة ميديا إنترناشيونال صاحبة امتياز مشروع إسلام أونلاين.
22 - موسوعة ويكيبيديا الحرة، مادة ما بعد التفاعلية.
23 - تقرير نادي دبي للصحافة لعام 2006، ص: 20.
24 - Bowman, S. and Willis, C. "We Media: How Audiences are Shaping the Future of News and Information." 2003, The Media Center at the American Press Institute.
25 - Wikipedia, the free encyclopedia: Citizen Journalism.
26 - Lasica, J. D. "What is Participatory Journalism?" August 7, 2003, Online Journalism Review, August 7, 2003.
27 - تقرير نادي دبي للصحافة، عام 2006، ص: 23.
28 - المرجع السابق، ص ص: 23 – 24.
29 - يمكن على سبيل المثال مراجعة كم الفيديو المرتبط بأسامة بن لادن على موقع You Tube للتدليل على حجم هذه القضية، بالإضافة للمدونات الخاصة بالجماعات المنشقة المختلفة في الغرب ومن بينها الجيش الجمهوري الأيرلندي ومنظمة الباسك.
30 - يمكن في هذا الإطار مراجعة إمكانيات موقع المدونات البازغ Taking It Global التي تتيح مثل هذه الخدمة.
31 - Alex Iskold, Web 3.0: When Web Sites Become Web Services, Read/Write Web 19/03/2007.
32 - موسوعة ويكيبيديا الحرة، مادة: ما بعد التفاعلية.
33 - راجع على سبيل المثال صفحات الترويج للهواتف الجوالة من الجيل الثالث في مواقع الهواتف الجوالة المختلفة.
34 - راجع إمكانيات المدونات في موقع Vox.com.
35 - ليلى عبد المجيد ومحمود علم الدين، فن التحرير الصحفي للجرائد والمجلات، السحاب للتوزيع والنشر، 2004. مع اعتبار أن الإشارات الخاصة بالصحافة الإليكترونية مصدرها: فاطمة فايز، وحدة البحوث والتطوير بشبكة إسلام أونلاين، خصائص المعالجة الصحافية.. رؤية مقارنة بين الصحافة المطبوعة والصحافة الإليكترونية، تقرير غير منشور، سبتمبر 2007.
36 - Lasica, J. D. "What is Participatory Journalism?" August 7, 2003, Online Journalism Review, August 7, 2003.
37 - راجع على سبيل المثال مدونة "المواطن" التي تصدرها الصحافية إيمان عبد المنعم أو مدونة " أنا إخوان" التي يصدرها الصحافي المصري محمود عبد المنعم.
38 - راجع على سبيل المثال مدونة الوعي المصري.
39 - موقع الشبكة الدولية لتبادل المعلومات حول حرية التعبير، فوز مصري وبورمية بجائزة نايت الدولية للصحافة، صفحة: جوائز وزمالات، 18/09/2007.
40 - تقرير تقويمي سنوي تصدره الصفحة لمتابعة وتقويم الأداء فيها (غير منشور).
41 - Alex Iskold, Web 3.0: When Web Sites Become Web Services, Read/Write Web 19/03/2007.
42 - Wikipedia, the free encyclopedia: Folksonomy.
43 - وسام فؤاد، الجيل الثالث من المنتديات.. قراءة في الوظيفة الاجتماعية لظاهرة المنتديات المحلية، دراسة غير منشورة، القاهرة، 2006.


 

Tags: "وسام فؤاد", "wessam fauad", " ما بعد التفاعلية", نيوميديا, "electronic communication m..., "لإعلام الجديد" الجدي"د, "new media", " ما بعد التدوين" …

ما بعد التدوين.. دراسة استشرافية حول تأثير التطور في ال

  • Apr 2, 2008

وسام فؤاد


لكي نفهم التطور الذي ستنتجه الإنترنت على الإعلام المنتمي في إطار استشرافي؛ لابد لنا من أن نتفهم اتجاه تطور الإنترنت نفسها، حتى يتسنى لنا أن نعرف ماهية هذا التأثير وكيفيته. ولعل مما يساعدنا على بناء عناصر هذه الدراسة الاستشرافية أن بين ظهرانينا اليوم بعض صنيعها الذي يمكن منه استمداد سيناريوهات العمل الإعلامي المستقبلي. وفي هذا الإطار نتناول أولا تطورات البنية التحتية، ثم ثانيا منظومة تداعياتها في مجال الإعلام الجديد، ونختم هذا الجزء الثاني بظاهرة ما بعد التدوين؛ وهو البعد الاستشرافي الذي تحاول هذه الورقة رسم ملامحه بصورة تقريبية.


أولا: تطور البنية التحتية للإنترنت:

تعتبر الإنترنت وسيلة الاتصال الأسرع نموا في تاريخ البشرية. ففي حين احتاج الراديو إلى 38 عاما للحصول على 50 مليون مستخدم لاستقبال برامجه، احتاج التلفزيون إلى 13 عاما للوصول إلى العدد نفسه، فيما احتاج تلفزيون الكابلات إلى 10 أعوام. أما شبكة الإنترنت فلم تحتج سوى إلى 5 أعوام للوصول إلى ذلك العدد، وأقل من 10 أعوام للوصول إلى 500 مليون مستخدم(1). ويعرض للإنترنت في هذه الآونة جملة من التغيرات نحتاج معها للتعرف الموجز على مسيرتها ثم اتجاه تطورها والمفاهيم الجديدة التي تؤطر مستقبلها.

أ – إطلالة على تطور الإنترنت: في عام 1969، وبعد خروج النظم الشبكية من عالم البنتاجون الدفاعي العسكري، تم وضع أول أربعة نقاط اتصال لشبكة سُميت أربانيت في مواقع في عدة جامعات أمريكية منتقاة بعناية، حتى تم في عام 1972 إجراء أول عرض عام لشبكة أربانيت في مؤتمر في العاصمة الأمريكية واشنطن، وكان تحت عنوان "العالم يريد أن يتواصل"، مؤذنا برفع الستار عن هذه الوسيلة الجديدة من وسائل الاتصال والإعلام. وفي نفس العام تقدم راي توملنس باختراع البريد الإلكتروني لمكتب براءات الاختراع ليقوم بإرسال أول رسالة على أربانيت. وقبل أن ينقضي عام 1973 كانت كل من النرويج والمملكة المتحدة قد انضمتا إلى تلك الشبكة. وفي عام 1974، تم نشر تفاصيل بروتوكول التحكم بالنقل TCP؛ وهي إحدى التقنيات التي ستحدد مستقبل الإنترنيت فيما بعد. وهدأت الأمور قليلا حتى عام 1977؛ حيث أنتجت شركة "ديجيتال إكويبمنت" موقع "إنترنت" خاصا بها لتعد بذلك أول شركة كومبيوتر تقوم بتلك الخطوة. وفي الأول من يناير من عام 1983، أصبح بروتوكول TCP/IP بروتوكولا معياريا لشبكة أربانيت. وفي العام الذي تلا ذلك مباشرة (1984) أخذت مؤسسة العلوم العالمية الأمريكية NSF على عاتقها مسؤولية "أربانيت"، وفي هذا العام تم تقديم نظام إعطاء أسماء لأجهزة الكومبيوتر الموصلة بالشبكة، والمسمى DNS أو Domain Name System. وبعد عامين - في 1986 - أنشأت مؤسسة العلوم العالمية NSF شبكتها الأسرع NSFNET، وفي نفس العام ظهر بروتوكول نقل الأخبار الشبكية NNTP جاعلا أندية النقاش التفاعلي المباشر أمرا ممكنا، وفي هذا العام تم بناء أول جدار حماية لشبكة الإنترنيت من قبل شركة "ديجيتال إكويبمنت". وآذن عام 1990 بإغلاق شبكة أربانيت، وتولت شبكة إنترنيت الأكثر شعبية مهمة تحقيق التواصل بدلا منها. وفي عام 1991 قدمت جامعة مينيسوتا الأمريكية برنامج "جوفر GOPHER" الذي يضطلع بمهمة استرجاع المعلومات من الأجهزة الخادمة في الإنترنت (2). ثم قامت مؤسسة الأبحاث الفيزيائية العالمية CERN في 1992 في سويسرا بتقديم شيفرة النص المترابط Hyper Text، وهو نظام التشفير البرمجي الذي أدى إلى التطور العملي للشبكة العالمية WWW، والذي بدأت معه عملية بث المواقع تأخذ الشكل الأكثر عملية واقتصادية. ثم جاء عام 1993 الذي شهد إنتاج الإصدار الأول من "موزاييك Mosaic" مستعرض الشبكة العالمية، وقد تبعه الآخرون مثل Netscape وExplorer وذلك لتيسير الإبحار عبر الإنترنت. وفي عام 1995 رصد المراقبون تحول نمو الإنترنت إلى انفجار، حيث أصبح عدد الأجهزة الخادمة المتصلة بالإنترنت قرابة ستة ملايين جهاز خادم وخمسون ألف شبكة في جميع أنحاء العالم. وفي عام 1996 بدأ العالم يتصل بشكل دائم بشبكة الإنترنت؛ وبدأت الخدمة تدخل الدول العربية (3).

هذه السطور التي تمثل بداية سلسلة تطور الإنترنت ليست سوى إحدى حلقات تطور الكيان المسمى World Wide Web: WWW، أو المعروف اختصارا باسم The Web أو الويب (4). ونحتاج إثر التعرف عليه أن نتعرف بصورة أكثر كثافة على تلك المصطلحات الجديدة التي تحكم الإطار المستقبلي للإنترنت؛ على الأقل في الأمد المنظور. ونتناول هذه المفاهيم التجديدية فيما يلي، بدءا من ما بعد التفاعلية وحتى Web 3.0.

ب - ما بعد التفاعلية: ما بعد التفاعلية Post Interactivity مفهوم اصطلاحي – صكه الباحث في دراسة سابقة، وهو مصطلح يصف مجمل تلك المراحل الجديدة التي ولجت إليها شبكة الإنترنت منذ عام 2006؛ اعتمادا على ما أضافته إليها تقنيات Web 2.0 وWeb 3.0، وإن كانت إرهاصاتها قد بدأت تتبلور مع بداية الألفية الثالثة. ومصطلح "ما بعد التفاعلية" من خلال الدلالة المباشرة له نجده يعني تجاوز تلك المرحلة "التفاعلية" من مراحل الإنترنت، والتي ذكرت - كمصطلح - للمرة الأولى في عام 1954، في كتاب ولبر شرام: عملية الاتصال الجماهيري وتأثيراتها، ثم في دراسة ماكميلان وداونز McMillan & Downes في 1999، والتي انتهت إلى أن الهدف من الاتصال هو التبادل والإعلام.. إلخ. ومصطلح "ما بعد التفاعلية" مصطلح صكه الباحث في مجال سوسيولوجيا الإنترنت وسام فؤاد؛ معبرا به عن اتجاه الإنترنت لمرحلة جديدة في علاقة مرتاديها وزوارها بمحتواها والمنشور على صفحاتها (5).

فحتى منتصف العقد الأول من القرن الحادي والعشرين، كان مرتادو الإنترنت ينقسمون حديا ما بين منتج لمحتوى الإنترنت وبين مستهلك لهذا المحتوى. وكانت العلاقة ما بين منتج المادة ومتصفحها أو مستهلكها تقوم على تواصل محدود من خلال مجموعة من الأدوات الاتصالية البدائية كبريد عموم المواقع أو ما يسمى: الويب ماستر، أو من خلال البريد الإليكتروني لصفحات المواقع إن وجد، أو من خلال البريد الإليكتروني لمنتج المادة إن أتيح، وكانت بعض المواقع تستبدل هذا كله من خلال توفير قاعدة بيانات لتجميع التغذية المعادة حول منتجاتها المبثوثة على الإنترنت. وهذه الأدوات لم تلبث أن فقدت فعاليتها بسبب سوء استخدامها وازدحامها بالرسائل غير المرغوب فيها. وبمعنى آخر؛ كان التدفق الإعلامي عبر الإنترنت يقوم على فلسفة التدفق في اتجاه أحادي One to Many: من المنتج إلى المتصفح في شكل اتصال إعلامي وتعليق محض، قد يتطور في بعض الأحيان لحوار عبر منتدى إليكتروني مدار يتحكم به مالكه. وكانت قلة نادرة من المواقع تمثل استثناء من هذه القاعدة.

وبدءا من أواخر عام 2005، دخلت الإنترنت مرحلة جديدة أمكن فيها لكل متصفحي الإنترنت أن يكونوا بمثابة مرسلي المادة الإعلامية ومستقبليها في آن، أي أن الإنترنت كوسيلة إعلامية صارت تعبير عن تدفق المحتوى الإعلامي في اتجاهين أو أنه أصبح تدفق متعدد الاتجاهات Many to Many. فبفضل التطور التقني، وترجمته في وسائل مثل الخادمات/السيرفرات الضخمة، وقواعد البيانات المتطورة، وتقدم تطبيقات الويب، بفضل هذا كله أصبحنا نجد مواقع تتيح لزوار الإنترنت ومتصفحيها تكوين حسابات يمكنهم من خلالها تحميل ملفات الفيديو والصوت والصورة والنصوص على ما يشبه مواقع محدودة تخصهم، وأن يتحكموا فيمن بإمكانه مشاهدة هذا المحتوى بدءا من التعامل والتداول الخاص جدا لدرجة الفردية وحتى التداول العام المفتوح للجميع.

واللافت في هذا الصدد أن هذه الخدمات تقدم مجانا. كما أنها أصبحت خلو من الرقابة إلى حد بعيد. وبدلا من المنتديات الإليكترونية المدارة، والمجموعات البريدية محدودة الفاعلية، والمواقع المجانية المتخمة بالإعلانات التي تفرضها المواقع الموفرة للخدمة، بدلا من هذا كله وجدنا المدونات ومواقع الفيديو ومواقع ألبومات الصور ومجموعات التواصل الآني تغزو الإنترنت.

وبرغم انخفاض تكلفة إنشاء المواقع، ونظرا لبعض القيود التي ترد على عملية إنشاء المواقع، وجدنا متصفحي الإنترنت يؤثرون اللجوء لهذه الخدمات المجانية لتوفير الوعي بما يهتمون به من قضايا عبر ما يقدمونه من منتجات الوسائط المتعددة تدعم قضاياهم التي تتراوح ما بين الجدية الفائقة وحتى المشاركة بغرض الترفيه. واللافت أن متصفحي الإنترنت العرب بخاصة لجأوا إلى هذه الخدمات لتوفير درجة من الوعي بقضاياهم السياسية التي تلقى من وسائل الإعلام بما فيها مواقع الإنترنت درجات متفاوتة من التعتيم.

تلك الحالة التي تجاوزت التفاعلية لصالح المشاركة المباشرة من متصفحي الإنترنت في إنتاج وتقديم محتوى هذه الشبكة العنكبوتية هي ما سنعرفه اليوم وتاريخيا باسم "الإنترنت ما بعد التفاعلية". ويتأسس هذا المصطلح على مجموعة من التطورات في البنية التحتية التي سنتناولها فيما يلي. وتعزى حالة ما بعد التفاعلية للتطور الذي حدث في بنية الإنترنت التحتية والذي يمكن تصنيفه لمرحلتين غير متعاقبتين؛ اصطلح على تسميتهما بويب 2.0 وويب 3.0.

1 - الجيل الثاني للإنترنت Web 2.0: يشير مصطلح Web 2.0 لجيل ثان متصور من المجتمعات المبنية على أساس الويب وخدمات الاستضافة المرتبطة بها، بالإضافة إلى مواقع التشبيك الاجتماعي ومواقع الويكي (أسلوب ويكي لقواعد بيانات إدارة المحتوى) وقواعد بيانات الفهرسة الإليكترونية Folksonomies. وتستهدف فلسفة Web 2.0 تسهيل عملية التواصل والتعاون والتشارك في المعلومات بين جمهور الإنترنت. وقد أصبح المصطلح شائعا بعد ذلك المؤتمر الذي نظمه مركز أوريلي ميديا O Reilly Media حول Web 2.0 في عام 2004. وبرغم أن المصطلح قد يوحي بأننا بصدد إصدارة جديدة من World Wide Web، إلا أن المصطلح لا يشير بحال لأي تحديث لجوانب Web 1.0 التقنية، ولكن إلى تغييرات في الكيفية التي يقوم بها مطورو البرامج ومستخدمو الإنترنت في التعامل مع الإنترنت. فهذا الجوهر الجديد Web 2.0 بمثابة ثورة اقتصادية في مجال صناعة الحاسوب نتجت عن النظر إلى الإنترنت باعتبارها منطلق Platform - وليس باعتبارها ساحة نشر، ومحاولة فهم قواعد النجاح في هذا المنطلق الجديد (6).

ولذا لم يعد من الممكن الحديث عن تلازم الإنترنت والمتصفح، بل أصبح الاتجاه الجديد أن كل التطورات الحاسوبية تراعي أن يكون شطر منها تشاركي.

إن فلسفة Web 2.0 لا تقوم فقط على اعتبار أن الإنترنت هي منصة في الأساس وليس مستودع نشر، بل يجاور ذلك عدة مكونات أخرى لرؤية Web 2.0 أهمها أن البيانات هي التي تقود عملية التجديد وبناء قالب المنصة الجديدة؛ في الوقت الذي يملك فيها المستخدم البيانات ويتحكم بها، كما أن الابتكار والتجديد داخل كل حزمة نظم والمواقع العاملة بها ينجم عن نوع من التشارك المقصود بين مجموعة كبيرة من مطورين البرامج المنتشرين في أنحاء العالم مع اتسامهم بدرجة عالية من الاستقلالية في عملهم بدون تبعية مؤسسية. ويرتبط بهذا النموذج من نماذج العمل وجود مفهوم مبسط للمشروعات الاقتصادية Business Models التي تمول هذه الحركة؛ وتقوم تلك المشروعات على أساس الاستفادة من المحتوى أو من الخدمات التي تحملها المواقع. كما أن هذه المواقع تعتمد على مجموعة من البرامج تزود بها زوار الموقع باعتبارها دوما النسخة المبدئية والتي تظل مبدئية مهما تطورت؛ وهو ما يعني أن مستخدمي هذه المواقع لن يجدوا حاجة لشراء أي برنامج ولا تكبد عناء البحث عن مفاتيح مزورة له. كما أن البرامج التي تستخدم في هذا الصدد تجد ربحها من خلال اتساع نطاق العلم بها خارج الدائرة الفردية (المنظمات الاقتصادية والطوعية والحكومية) (7).

وفي هذا الإطار يمكن أن نشير إلى خصائص البث على الإنترنت في إطار Web 2.0 بدءا من تلك الروح الأساسية في حقبة Web 2.0 المتمثلة في التشبيك Networking الذي تعتبره غايتها الأساسية، حيث إن الأساس في هذه الحقبة ربط التطبيقات المختلفة بالشبكة والسماح للمستخدم باستعمالها لأغراض التواصل العميق وليس فقط الاتصال؛ وهي من أهم خواص هذه الحقبة. ومن ناحية ثانية، فإن المحتوى – أيا كان يعد ملك لمن بثه أونلاين، ويمكن له التعديل في خصائص عرضه كيفما شاء. ومن جهة ثالثة، ثمة خاصية الديمقراطية التي تتيح لمتلقي أي محتوى بالتعاطي معه إيجابيا وليس فقط تلقيه، عن طريق التعقيب عليه أو نقده من خلال استخدام نص أو بأي من الوسائط المتعددة، أو حتى برابط. ومن زاوية رابعة نجد أن ثمة ارتفاع في درجة اليسر والسهولة في التعامل مع واجهات البرامج التي تدير علاقة المستخدم بالإنترنت، تلك البرامج المعتمدة على تقنيات تبسيطية مثل Ajax وما شابهها (8). ويحاول البعض إضافة التطورات التقنية في مجال الجرافيك، وهذا محتمل كعنصر مكمل، لكنه ليس عنصرا حاسما في بناء فلسفة Web 2.0.

2 - الجيل الثالث للإنترنت Web 3.0: ظهر هذا المصطلح للمرة الأولى في عام 2006 في مقال منشور بأحد مدونات الخبراء الناشطين في مساحة الإنترنت: جيفري زيلدمان في معرض تقديم رؤية نقدية النقاشات المثارة حول Web 2.0 والتقنيات المرتبطة بها مثل تقنية أجاكس المشار إليها سلفا (9).

وفي المنتدى الرقمي بالعاصمة الكورية سيول، والذي عقد في مايو 2007، طلب الحضور من المدير التنفيذي المسؤول بشركة جوجل: إيريك شميدت أن يوضح الفوارق بين Web 2.0 وWeb 3.0، وكانت إجابته فيما يتعلق بالمسمى Web 3.0 أنها طريقة جديدة لبناء تطبيقات الحاسوب، وأنه يرى أن Web 3.0 إن هي إلا مجموعة من التطبيقات المجمعة في إطار واحد، حاملة مجموعة من الخصائص المتمثلة في الصغر النسبي لحجم هذه التطبيقات، والقادرة على أن تنتصب وتشتغل في أي بيئة إليكترونية: كالحاسوب أو الهاتف الجوال أو المساعدات الشخصية الرقمية PDA، وتكون في الوقت نفسه سريعة جدا وقابلة للتكييف وفق رغبة مشغلها، معتمدة في توزيعها وتسويقها كمنتج على زيادة الوعي بها والانتشار من خلال ترابط الشبكات المختلفة الموجودة على الإنترنت؛ مما ينفي الحاجة لتخزينها وشرائها، وهذا نموذج جديد لتداول برامج الحاسوب Different Application Model. وفوق هذا كله نجد هذه البرامج تستوعب طوفان البيانات الذي يجري صبه فيها (10).

وفي كتابات غيره من الخبراء، نجد أن كلمة Web 3.0 تمثل مصطلحا يطلق لتوصيف تطور مختلف حيال استخدام الويب والتفاعل في إطارها على أصعدة مختلفة، على رأسها عملية تحويل WWW إلى قاعدة بيانات هائلة، وتلك ليست سوى خطوة باتجاه تعظيم قدرة التطبيقات الحاسوبية المختلفة ومنتجات الذكاء الصناعي على الوصول للمحتوى بالغ الوفرة على الإنترنت، والذي تصل وفرته لدرجة السيولة التي تعوق سهولة الوصول لمحتوى ذي خصائص نوعية. هذا بالإضافة لما في ذلك من إمكانات تسويقية عالية (11). ويعتبر البعض منهم أن المواقع التي تعتمد تقنية الأبعاد الثلاثية مثل Second Life وVirtual Realm وDisney s Toontown وVirtual Ibiza وغيرها من المواقع تتبع هذه الحقبة من الويب.

ويرى طائفة مهمة من الخبراء أن Web 3.0 هي جيل جديد بمفهوم نوعية المحتوى وليس بمفهوم نوعية التقنية. وفي هذا الإطار يذهب أليكس إيسكولد إلى أن الشبكة العنكبوتية تضم اليوم قدرا من المعلومات والبيانات تجاوز في حجمه إمكانية القياس بالميجابايت أو الجيجابايت ليقدر بمقياس التيرابايت، وهو ما جعل المعلومات النفيسة تختبئ بتشفيرها ولغاتها المتباينة عن حواسيب مستخدمي الشبكة. ويرى أن Web 3.0 كاتجاه من اتجاهات الويب الذكية Semantic Web قادرة على تغيير هذه الحقيقة، حيث إن المواقع الكبرى لن تكون إلا تلك المواقع التي تقدم خدمات الويب، وستكون قادرة على استخلاص المعلومات الثمينة المختبئة داخل الشبكة العنكبوتية ونشرها على العالم. ويرى أليكس أن التحول في أداء المواقع وطبيعة محتواها سيكون في أحد اتجاهين. حيث يرى أن بعض المواقع سيسير في الاتجاه الذي يمثله مواقع مثل موقع أمازون Amazon أو موقع ديليشس Del.icio.us أو موقع فليكر Flickr حيث تمنح زوارها خدمات مختلفة وفق تقنية REST API (تقنية تستخدم لغة Xml للتعامل مع قواعد البيانات ونظام الشراء الإليكتروني). وبعض المواقع الأخرى سوف تحاول الحفاظ على ملكية معلوماتها؛ لكنها ستجعلها قابلة للتعامل معها عن طريق تقنية Mashups (وهي تقنية تقوم على لغة تستمد المعلومات من أكثر من قاعدة بيانات لكنها تعمل على جمعها ضمن أداة عرض واحدة)؛ ومثالها مواقع مثل موقع دابر Dapper التسوقي، أو موقع تاكيلو Taqelo الذي يمكن اعتباره منظم عمل متطور قائم على التشبيك الموجه، أو بعض الصفحات الفرعية الخاصة داخل موقع ياهو ومنها ياهو بايبز Yahoo Pipes وهو موقع لتجميع الإفادات من الإنترنت بواسطة إعدادات يقوم بها المشترك في موقع ياهو. هذان الطريقان سوف يجعلان من المعلومات المتناثرة على الإنترنت صورة أخرى من المعلومات المعروضة بصورة منهجية متماسكة؛ ممهدة الطريق نحو منظومة حوسبة أكثر ذكاء (12). وهذا ما نراه أكبر القيم المعبرة عن حقيقة Web 3.0.

ج - الإنفوميديا والتقارب الإعلامي: منذ منتصف التسعينات والخبراء يتحدثون عن ثورة الاتصالات والمعلوماتية، وكان الجميع ينظر للإنترنت من طرف خفي باعتبارها صاحبة الفضل في شيوع حالة اليسر الاتصالية والوفرة المعلوماتية النسبية التي كانت آنذاك. ومع تطور الإنترنت بدأ الناس يتحدثون عن الإعلام الجديد ودلالاته وتداعياته على حياتنا. واليوم نتجاوز بحالة الإنفوميديا هاتين الحقبتين المجازيتين لندخل إلى حقبة جديدة يحدث فيها تقارب متسارع بصورة قوية في مجال البنية التحتية لوسائل الاتصال. لم يعد الأمر إذا محض تطور الإنترنت من النص إلى المالتيميديا، ولا انتقال من مرحلة الإعلام أحادي الاتجاه إلى الإعلام التفاعلي ذي الاتجاهين وباستخدام أدوات الصوت والصورة، بل صرنا نتحدث عن سيولة اتصالية بكل ما تعنيه كلمة سيولة من معنى، ناهيكم عما يعنيه هذا من وفرة معلوماتية (13).

قوام المرحلة التي نعيشها اليوم أنه لم تعد ثمة فوارق بين وسائل الإعلام ووسائل الاتصال. ولم يعد ثمة انفصال بين وسائل الاتصال. أما تماهي وسائل الإعلام والاتصال فيرجع إلى أن التليفزيون صار يستخدم للدردشة والاتصال، وهو ما يعرف بالتليفزيون التفاعلي. وبالعكس صار الهاتف يستخدم كوسيلة إعلامية عبر رسائل المالتيميديا وخدمة التليفزيون الجوال الذي غزت تطبيقاته العالم. غير أن ذلك رهن بالجيل الثالث من أجهزة الهاتف النقال (14).

وأما عن الخاصية الثانية للإنفوميديا فيرى الباحث وسام فؤاد أن قوامها عدم انفصال وسائل الاتصال/الإعلام أو انقطاعها عن بعضها. فالحاسوب اليوم يتصل بمنتهى اليسر بالتليفزيون والراديو والهاتف النقال والإنترنت. والتليفزيون به إمكانات التواصل مع الإنترنت، ويمكن تلاقي الناس عبره مع بعضهم حتى لو كان بعضهم يستخدم الإنترنت، أو يستخدم الهاتف النقال للدردشة النصية. كما يمكن تزويده بخواص الشبكات اللاسلكية المحدودة المغلقة، وبضغطة زر من حاسوبك يمكنك الاتصال بأي حاسوب أو جهاز اتصال أو تليفزيون موجود على سطح الكوكب ضمن خدمة دولية مضمونة بضوابط جودة (15).

ولا يقف الأمر عند هذه الحدود. فهذه الثورة الاتصالية وذلك التقارب بدأ يجد حضوره الإعلامي عبر قنوات تتسم جميعها بارتفاع درجة توفر المعلومات وتيسير بثها والحصول عليها، وارتفاع درجة التنافسية بين الوسائل الإعلامية المهنية وغير المهنية فيما يتعلق بالاقتراب من الحدث وفيما يخص الصدقية. وكل ذلك سنتلمس آثاره في حديثنا عن تداعيات هذه الثورة وذلك التقارب.

و – إطلالة خاصة على المواقع ثلاثية الأبعاد: تكاثرت المواقع التي تعتمد البيئة التقنية ثلاثية الأبعاد؛ متأثرة باتجاه جديد للوجود الافتراضي عبرت عنه حركة تسمى Cyberpunk Literary Movement والمتأثرة بصفة خاصة بتلك الرواية التي أنتجها نيل ستيفنسون المسماة تحطم الجليد Snow Crash والتي ألهمت أكثر من جهة للعمل في مجال المواقع المتخيلة ثلاثية الأبعاد، منها Second Life وDisney s Toontown. وهي ظاهرة تنمو باطراد (16). ويعد موقع Second Life أبرز المواقع المعبرة عن هذه الموجة، وهو ما يبرر الحديث عنه بصورة تعتبره أنموذجا لذلك العالم المتنامي.

إن تلك الإمبراطورية المسماة Second Life لا تعدو أن تكون عالما متخيلا تفاعليا مبنيا على تطبيقات الإنترنت، وقد طورته شركة ليندون لاب Linden Research, Inc وأطلقته في عام 2003، وسلطت وسائل الإعلام الضوء عليه في أواخر عام 2006 مع قيام وكالة رويترز للإعلام بافتتاح مكتب لها هناك بعد أن لاحظت درجة الاهتمام الفعلية به متمثلة في أعداد أعضائه ومقدار ما ينفقون فيه من أموال. وقد كان هدف شركة ليندون لاب أن تقوم بإنتاج بيئة تماثل تلك البيئة التي رسم نيل ستيفنسون ملامحها في روايته التي أشرنا إليها سلفا. تلك البيئة يتحقق الرابط بينها وبين مستخدم الشبكة من خلال برنامج وكيل يوصل المستخدم بالموقع. ويعمل موقع Second Life - وأمثاله من المواقع التخيلية - عن طريق مثل تلك البرامج التي تسمى برامج وكيلة Client Programs يتم تنصيبها في أجهزة الحاسوب؛ فتتيح لمستخدمه دخول هذا العالم، ومن ثم اختيار شكل إنساني كامل يعبر عنه أو عن أحلامه؛ ليبدأ بعدها في ممارسة النشاط الاجتماعي (إعلامي – سياسي – ثقافي – اقتصادي.. إلخ) الذي من أجله دخل هذا العالم، ويقيم شبكة علاقات اجتماعية جديدة قد تحاكي أو تخالف شبكة علاقاته في العالم الحقيقي. ويوجد بهذا الموقع عملة افتراضية تمسى "دولار ليندون"، ويمكن مقايضتها بكل العملات العالمية من الأسواق المختلفة وبخاصة في الأسواق الأمريكية والأوربية التي يمثل سكانها الغالبية الساحقة من المشتركين في Second Life والمقيمين به (17). والطريف أن الأسبوع الأخير من أكتوبر 2007 شهد شراء شبكة CNN مكتبا لها هناك ينتظر افتتاحه بحلول الخامس من نوفمبر 2007 (18).

وينظر البعض لموقع Second Life باعتباره لعبة، لكن تلك التسمية مخادعة. فهذا الموقع ليس به نقاط يجري اكتسابها وليس به أرقام تسجيل المكاسب Scores، وليس به رابحون وخاسرون، وليس مستويات للعب، ولا يتضمن إستراتيجية لعب، ولا يتضمن أي من الخصائص التي تميز مفهوم اللعبة Game بتطبيقاتها ونظرياتها المختلفة (19).

ووفقا لإحصاء موقع Second Life؛ فإن إجمالي المقيمين بعالم Second Life بلغ في 31 أكتوبر 2007، حوالي 10 مليون و600 ألف مقيما، يتواجد منهم على مدار الساعة ما متوسطه 8000 مقيما. وبلغ حجم التعاملات الآنية في هذا الموقع حوالي 3,567,766,213 دولارا ليندونيا، وقد صار لهذه العملة بورصة خاصة على الموقع تتيح البيع والشراء. وهو ما يعكس حجم الإقبال على هذا الموقع وحجم الجدية التي يتمتع بها حضوره اقتصاديا (20).


ثانيا: ما بعد التدوين.. المفهوم والدلالات

مصطلح ما بعد التدوين هو مصطلح صكه الباحث للتعبير عن مرحلة جديدة على صعيدين اثنين، نجملهما تاليا:

أ – هي تعبير عن تطور نوعي حدث في المساحة التعبيرية التي صارت متاحة لكل مستخدمي الإنترنت بعد التطورات التي حدثت في مجال البنية التحتية للإنترنت.

ب – هي أيضا تعبير عن تطور جديد في مجال العمل الإعلامي في علاقته ببيئته الاجتماعية.

ولكي نتعرف على ملامح ما بعد التدوين لابد لنا من الوقوف على طبيعة البيئة الإعلامية التي أنتجتها تلك التطورات في مجال البنية التحتية للإنترنت، وذلك في السطور القادمة.

بداية لابد لنا من التمييز تحليليا ما بين ذلك الشق من الإنترنت المبني على أن الإنترنت وسطا أو بيئة؛ وذلك الشق الذي تكون فيه الإنترنت وسيطا إعلاميا. فقد حدث تطور في كل شق على حده، إلا أن التطورات الأخيرة جعلت الحالة الإعلامية المتخصصة تخلط بين الشقين، فيما يمكن تسميته بتجديد أدوار الوسيط الإعلامي النهائي المسمى بالإنترنت في ثوبها الجديد. فمهما كنا نتحدث عن Web 2.0 أو Web 3.0 فإننا في النهاية نتحدث عن تلك الوسيلة الاتصالية والتواصلية التي تطورت خلال السنوات العشرين الأخيرة من مجرد وسيط نشر متجاوز للحدود وحتى كونه وسيلة تواصل فعالة إلى جانب كونه وسيلة اتصال. وهو ما يرشحها لتكون بيئة الاتصال والتواصل المثلى التي تسعى كل سبل الاتصال أو التواصل لمحاكاة بيئتها والتطور باتجاهها؛ لتصير الإنترنت في النهاية هدف التليفزيون والهاتف الجوال والمساعدات الشخصية بالإضافة للحواسيب بأشكالها المختلفة المحمولة والثابتة.

غير أننا عندما نتعامل مع هذه التغيرات المفاهيمية يصعب علينا أن نفصل في تأثيراتها بين ما تنتجه من تداعيات على صعيد الإنترنت كوسط والإنترنت كوسيط، ومع ذلك؛ فلابد من الوعي بالفارق بين المستويين لأنه سيكون جليا وواضحا في بعض المساحات التي سيشتبك فيها الشقان.

ولا شك في أن التداعيات الحادثة جللة، وأن الإحاطة بها في مقام كهذا المقام وورقة كهذه الورقة سيكون صعبا لا محالة. والعزاء أن تحاول الورقة تقديم ما يقع في منظور القائمين عليها موقع الأهمية الظرفية ذات الأولوية. وفيما يلي نعرض لتداعيات هذه التغيرات.

أ – إعلام متعدد الاتجاهات: سبق وأشرنا إلى أن ما بعد التفاعلية كخاصية لحقبة الإنترنت الجديدة قد نقلت زوار الإنترنت من حقبة استهلاك المحتوى الإعلامي إلى حالة إنتاج هذا المحتوى (22). ويشير تقرير نادي دبي للصحافة إلى أن من أم تلك التغيرات تحول نمط التدفق الإعلامي من نمط تدفق في اتجاه واحد One to Many إلى نمط تدفق متعدد الاتجاهات Many to Many، واعتبره نمطا جديدا يضاف إلى أنماط التوزيع التقليدية، وإلى نمط التوزيع حسب الطلب الذي جرى تقديمه مؤخرا. ويرى التقرير أن نمط التوزيع الجديد يسمح بتوزيع كل من المحتوى المهني (الذي تمثل قضية حقوق الملكية الفكرية قضية حيوية بالنسبة له) بالإضافة إلى ذلك المحتوى الصادر عن المستخدمين والذي يتراوح إنتاجه ما بين النص العفوي وتقنية الفيديو الصادرة عن كاميرا رقمية رخيصة الثمن (23).

وبمعنى آخر، فإن ملايين المدونات؛ بتلك اللغات المتباينة المتعددة، بما تحويه من محتوى نصي أو صوتي أو محتوى فيديو أضيفت لمساحة المحتوى الذي يتعرض له مستخدم الإنترنت يوميا، ولم يعد الأمر قاصرا على تلك المواقع الرسمية أو تلك المواقع التي تعبر عن مؤسسات إعلامية صار لها اتجاه محدد وموجه لا تحيد عنه.

ولابد من التأكيد على أن الاتجاه لتحويل الإنترنت لنمط قواعد بيانات يستند لسيرفرات ضخمة ورخيصة التكلفة، مع تطور الآليات الاقتصادية لاستثمار مثل هذا الوضع New Business Models قد جعل ثمة إمكانية لأي فرد أو جماعة بشرية أن يقوموا بنقل الأخبار والمعلومات التي يراد لها التعتيم، بل ويقدموها معززة بأدلة صوتية وفيديوية تكسبها المصداقية، وتصنع بمرور الأيام اسما تجاريا مشهورا Branding Name يكون له درجة عالية من المصداقية التي تزاحم مصداقية المؤسسات الإعلامية المهنية.

ولا شك في أن هذا يعني فيما يعني أيضا تحول المستقبل الإعلامي تاريخيا باتجاه الإنترنت باعتبارها الوسيلة التي تقدم منافذ إعلامية ذات قدرة على الاستمرار والصمود، مع رخص التكلفة من ناحية ثانية، وارتفاع الإمكانيات من ناحية ثالثة.

ب – مفهوم المواطن الصحافي: وقد ارتبط بتلك المرحلة ما عرفه المراقبون والمتخصصون باسم صحافة المواطن؛ ويعرف أيضا باسم Public or Participatory Journalism هو دور يؤديه المواطن الذي يلعب دورا فعالا في عملية جمع وتصنيف وتحليل وصياغة المعلومات والأخبار. ووفقا لتقرير We Media نصف السنوي الذي يصدره مركز الإعلام Media Center التابع للمعهد الأمريكي للصحافة The American Press Institute، فالمفهوم يعني تلك الكيفية التي يصوغ بها الجمهور مستقبل تداول الأخبار والمعلومات. وقد أعد كل من شين بومان وكريس ويليس دراسة ضمن تقرير النصف الأول من عام 2003 يرون فيها أن الغرض من هذه المشاركة الإعلامية توفير تلك المعلومات المستقلة والدقيقة التي تحتاجها الديمقراطية فيما يتعلق ببحث القضايا التي تحتاج توفر معلومات ذات صلة ويمكن الاعتماد عليها (24). وهذا المصطلح لا يجب الخلط بينه وبين مصطلح الصحافة المدنية، تلك التي يقوم بها الصحافيون المحترفون. صحافة المواطن هي جزء من محدد من مفهوم إعلام المواطن citizen media مثله في ذلك مثل مصطلح المحتوى الذي يبتكره المواطن (25).

وقد صنفت الباحثة الإعلامية جيه دي لاسيكا المحتوى الذي يقدمه المواطن الصحافي إلى 6 فئات تتمثل فيما يلي (26):

* مشاركة الجمهور المتلقي (مثل تلك التعليقات التي يكتبها المواطن استجابة للقصص الإخبارية، والمدونات الشخصية، وتلك الصور محدودة الكفاءة التي التقطها الأشخاص بكاميرات هواتفهم الجوالة، وتلك الأخبار المحلية التي يكتبها شخص مقيم ضمن مجتمع ما من المجتمعات).
* المواقع الإخبارية والمعلوماتية المستقلة (مثل تقارير المستهلكين أو تقارير السخرة في العمل Drudge Report).
* المواقع الإخبارية ذات المعالجة الناضجة (مثل موقع OhmyNews International).
* المواقع الإعلامية التي يشترك أصحابها في إنتاج محتواها أو تطوعوا لإنتاجه Collaborative and contributory media sites.
* الأنواع المختلفة من الإعلام الارتجالي أو المسمى Thin Media (المجموعات البريدية والنشرات الإخبارية).
* المواقع الإذاعية الشخصية.

هذا التحدي ذو طابع إعلامي وليس تقنيا. ويمكن اعتباره نوع من تنامي البنية الفوقية الإعلامية المترتب على تلك التطورات التي حدثت في مجال البنية التحتية المرتبطة بالإنترنت، مثل Web 2.0 وWeb 3.0.

ج - إعلام نمط الحياة: في إطار الحديث عن Web 2.0 أشار تقرير مؤسسة برايس ووترهاوس إلى نمط جديد من الأنماط الإعلامية المتمثلة في "إعلام نمط الحياة" أو Lifestyle Media. لتشير به إلى موجة جديدة من أنماط الإعلام تعبر عن الخبرة الإعلامية الشخصية ضمن سياق اجتماعي. ويشير تقرير نادي دبي للصحافة لعام 2006 إلى أن المستخدمين الإعلاميين النافذين الذين يتفاعلون مع الشبكات الاجتماعية على Web 2.0 يطلبون منتجات إعلامية تسمح لهم بزيادة القيمة المستفادة من المحتوى الإعلامي المتنوع ضمن وقت الفراغ المحدود المتاح لديهم (27).

فمرتادو الشبكات الاجتماعية المختلفة والمتعددة لهم مشارب واهتمامات مختلفة، وبعضهم يرى أن هذه الاهتمامات لا تجد لها التغطية الكافية التي تلبي كافة احتياجاتهم كافة الأنشطة التي يقومون بها وكافة المساحات الموضوعية التي يهتمون بها، وهو ما يدفعهم لتقديم محتوى يخصهم وحدهم، وربما يمكنهم نقله لغيرهم.

ويوضح الخبراء أن هذا النمط من الأنماط الإعلامية وفق هذا التوضيح عاليه يتسم بسمتين هامتين تتمثل أولاهما في أن هذا النمط يعطي المستخدم القدرة على اكتشاف أو تقديم محتوى جديد، وتتمثل ثانيتهما في أن هذا النمط يتيح للمستخدمين اختيار كيفية توزيع هذا المحتوى (28). فهذه النشاطات الخاصة بالمستخدمين – سواء أكانوا مجموعة علماء أم مجموعة من الساسة أصحاب وجهات النظر الجديدة موضع التضييق أو كانوا مجرد جماعة رفاق (شلة) - تقدم لهم خيارات جديدة تندرج ضمن دائرة اهتماماتهم وتمكنهم من تحديد طريقة قضاء الوقت المحدود المتاح لديهم.

د - تراجع إمكانيات التعتيم: سبق أن أشرنا لمدى تأثير المرحلة ما بعد التفاعلية على الإنترنت كوسيط إعلامي وما ارتبط به من توسيع نطاق إنتاج المحتوى الإعلامي. والقيمة المضافة الجديدة في هذه المساحة أن إمكانيات التعتيم على هذا المحتوى صارت بعيدة المنال.

فمن ناحية، يمكن القول بأن اندراج الإصدارات الإعلامية الجديدة تحت اسم نطاق لا صلة له باسم نطاق خاص باتجاه أو تيار يجعل من المستحيل منع أو حجب هذه الإصدارة الإعلامية من دون التأثر بالتعامل مع الموقع الكبير الذي جعلت أنظمة التكويد فيه هذه المهمة أقرب للاستحالة العملية. ويمكن القول بأن خبرة التعاطي الأمني مع ظاهرة الإرهاب الخطيرة كشفت عمق هذه الأزمة حيث انتقلت المواجهة من جهة حظر المواقع إلى مساحة أخرى من الصعب فيها مواجهة الأمر بسبب انتقاله إلى مساحات المواجهة عبر قنوات المدونات من جهة وقنوات استضافة الفيديو الرقمي (29).

ومن ناحية ثانية، فإن الجيل الجديد من المدونات على سبيل المثال يستوعب تقنية تصدير واستيراد المحتوى (30)، بما يعني أن منع موقع ما من مواقع المدونات سيعني إمكان انتقال هذه المدونة بنفس محتواها القديم إلى موقع آخر بضغطة زر. وهو ما يقف حائلا دون إمكانية المنع أو الحجب. وهذه الإمكانات تستند لمنطق تحويل الإنترنت إلى قاعدة بيانات وهو ما ألمح إليه الخبراء في الحديث عن Web 3.0.

ومن ناحية ثالثة، فإن تحول الإنترنت باتجاه قواعد البيانات سيجعل من الصعوبة بمكان السيطرة على المحتوى الخاص بها، وبخاصة مع تزايد الاتجاه نحو إنتاج التطبيقات التي تعتمد لغة MashUps التي تجمع البيانات المخزنة بصورة مستقلة لكنها تدمجها مع بعضها البعض في آليات عرض قائمة على ما يقارب مناهج نظم الخبرة المعروفة